تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
يقول تعالى :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ
وتبرز الخلائق لديانها ، ترى يا محمد يومئذ المجرمين وهم الذين أجرموا بكفرهم وفسادهم
مُقَرَّنِينَ
أي بعضهم إلى بعض قد جمع بين النظراء أو الأشكال منهم كل صنف إلى صنف ، كما قال تعالى :
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ
[ الصافات : 22 ] وقال :
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ
[ التكوير : 7 ] وقال :
وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً
[ الفرقان : 13 ] وقال :
وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ
[ ص : 37 - 38 ] والأصفاد هي القيود ، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والأعمش وعبد الرحمن بن زيد ، وهو مشهور في اللغة ، قال عمرو بن كلثوم : [ الوافر ]
فآبوا بالثياب وبالسبايا * وأبنا بالملوك مصفدينا « 1 »
وقوله :
سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ
أي ثيابهم التي يلبسونها من قطران ، وهو الذي تهنأ به الإبل أي تطلى ، قال قتادة : وهو ألصق شيء بالنار . ويقال فيه : قطران بفتح القاف وكسر الطاء وتسكينها ، وبكسر القاف وتسكين الطاء ، ومنه قول أبي النجم : [ رجز ]
كأن قطرانا إذا تلاها * ترمي به الريح إلى مجراها « 2 »
وكان ابن عباس يقول : القطران هنا النحاس المذاب ، وربما قرأها
سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ
أي من نحاس حار قد انتهى حره ، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة . وقوله :
وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ
كقوله :
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ
[ المؤمنون : 104 ] وقال الإمام أحمد « 3 » رحمه اللّه : حدثنا يحيى بن إسحاق ، أنبأنا أبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن زيد عن أبي سلام ، عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أربع من أمر الجاهلية لا يتركن : الفخر بالأحساب ، والطعن في الأنساب ، والاستسقاء بالنجوم ، والنياحة على الميت ، والنائحة إذا لم تتب قبل موتها ، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب » انفرد بإخراجه مسلم « 4 » . وفي حديث القاسم عن أبي أمامة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « النائحة إذا لم تتب توقف في طريق بين الجنة والنار سرابيلها من قطران وتغشى وجهها النار » . وقوله :
لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ
أي يوم القيامة كما قال :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا
[ النجم : 31 ] الآية
إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
يحتمل أن يكون كقوله تعالى :
هامش
( 1 ) البيت في تفسير الطبري 7 / 484 ، والشطر الثاني في تفسير البحر المحيط 5 / 419 . ( 2 ) الرجز في تفسير الطبري 7 / 485 . ( 3 ) المسند 5 / 342 ، 343 ، 344 . ( 4 ) كتاب الجنائز حديث 29 .