البراذين تزفّ « 1 » بهم ببطن رياض الجنة ، فلما انتهوا إلى منازلهم ، وجدوا الملائكة قعودا على منابر من نور ينتظرونهم ليزوروهم ويصافحوهم ويهنئوهم كرامة ربهم ، فلما دخلوا قصورهم وجدوا فيها جميع ما تطاول به عليهم ، وما سألوا وتمنوا ، وإذا على باب كل قصر من تلك القصور أربعة جنان : جنتان ذواتا أفنان ، وجنتان مدهامتان ، وفيهما عينان نضاختان ، وفيهما من كل فاكهة زوجان ، وحور مقصورات في الخيام ، فلما تبوءوا منازلهم واستقروا قرارهم ، قال لهم ربهم : هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ .
قالوا : نعم وربنا . قال : هل رضيتم ثواب ربكم ؟ قالوا : ربنا رضينا فارض عنا . قال :
برضاي عنكم حللتم داري ، ونظرتم إلى وجهي ، وصافحتكم ملائكتي ، فهنيئا لكم ،
عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ
ليس فيه تنغيص ولا تصريد ، فعند ذلك قالوا : الحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن ، وأدخلنا دار المقامة من فضله ، لا يمسنا فيها نصب ، ولا يمسنا فيها لغوب ، إن ربنا لغفور شكور ، وهذا سياق غريب ، وأثر عجيب ، ولبعضه شواهد .
ففي الصحيحين أن اللّه تعالى يقول لذلك الرجل يكون آخر أهل الجنة دخولا الجنة : تمنّ ، فيتمنى ، حتى إذا انتهت به الأماني يقول اللّه تعالى : تمن من كذا ، وتمن من كذا ، يذكره ، ثم يقول : ذلك لك وعشرة أمثاله « 2 » .
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن اللّه عز وجل « يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر » « 3 » . الحديث بطوله ، وقال خالد بن معدان : إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى ، لها ضروع كلها ترضع صبيان أهل الجنة ، وإن سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة يتقلب فيه حتى تقوم القيامة ، فيبعث ابن أربعين سنة ، رواه ابن أبي حاتم .
[ سورة الرعد ( 13 ) : آية 30 ]
كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ ( 30 )
يقول تعالى : وكما أرسلناك يا محمد في هذه الأمة
لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
أي تبلغهم رسالة اللّه إليهم ، كذلك أرسلنا في الأمم الماضية الكافرة باللّه ، وقد كذب الرسل من قبلك بهم أسوة ، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك ، فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم ، فإن تكذيبهم لك أشد من تكذيب غيرك من المرسلين ، قال اللّه تعالى :
تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ
هامش
( 1 ) تزفّ بهم : أي تسرع بهم .
( 2 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 52 ، ومسلم في الإيمان حديث 299 ، 301 ، 309 .
( 3 ) أخرجه مسلم في البر حديث 55 ، وأحمد في المسند 5 / 160 .