تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
بإخراجه البخاري « 1 » . والمراد بالقرآن هو الزبور . وقوله
أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا
أي من إيمان جميع الخلق ويعلموا ، أو يتبينوا
أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً
فإنه ليس ثم حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع في العقول والنفوس . من هذا القرآن الذي لو أنزله اللّه على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية اللّه . وثبت في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما من نبي إلا وقد أوتي ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » « 2 » ، معناه أن معجزة كل نبي انقرضت بموته ، وهذا القرآن حجة باقية على الآباد لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد ولا يشبع منه العلماء هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه اللّه ، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله اللّه . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا منجاب بن الحارث ، أنبأنا بشر بن عمارة ، حدثنا عمر بن حسان عن عطية العوفي قال : قلت له :
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ
الآية ، قالوا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم : لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع ، فنحرث فيها ، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح ، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيي الموتى لقومه ، فأنزل اللّه هذه الآية ، قال : قلت : هل تروون هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : نعم عن أبي سعيد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكذا روى ابن عباس والشعبي وقتادة والثوري وغير واحد في سبب نزول هذه الآية ، واللّه أعلم . وقال قتادة : لو فعل هذا بقرآن غير قرآنكم لفعل بقرآنكم « 3 » . وقوله
بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً
قال ابن عباس : أي لا يصنع من ذلك إلا ما شاء ولم يكن ليفعل ، رواه ابن إسحاق بسنده عنه ، وقاله ابن جرير أيضا . وقال غير واحد من السلف في قوله
أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا
: أفلم يعلم الذين آمنوا ، وقرأ آخرون : أفلم يتبين الذين آمنوا أن لو يشاء اللّه لهدى الناس جميعا . وقال أبو العالية : قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا ، ولو يشاء اللّه لهدى الناس جميعا . وقوله :
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ
أي بسبب تكذيبهم لا تزال القوارع تصيبهم في الدنيا أو تصيب من حولهم ، ليتعظوا ويعتبروا ، كما قال تعالى :
وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
[ الأحقاف : 27 ] وقال
أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ
[ الأنبياء : 44 ] . قال قتادة عن الحسن
أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ
أي القارعة « 4 » وهذا هو الظاهر من السياق .
هامش
( 1 ) كتاب الأنبياء باب 37 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الاعتصام باب 1 ، وفضائل القرآن باب 1 ، ومسلم في الإيمان حديث 239 . ( 3 ) انظر تفسير الطبري 7 / 387 . ( 4 ) انظر تفسير الطبري 7 / 391 .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 397 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين