تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
حتى إن أقصرهم أمنية ليقول : ربي تنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها رب فآتني مثل كل شيء كانوا فيها من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا ، فيقول اللّه تعالى : لقد قصرت بك أمنيتك ، ولقد سألت دون منزلتك ، هذا لك مني ، وسأتحفك بمنزلتي لأنه ليس في عطائي نكد ولا تصريد « 1 » . قال : ثم يقول : اعرضوا على عبادي ما لم يبلغ أمانيهم ، ولم يخطر لهم على بال ، قال : فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أمانيهم التي في أنفسهم ، فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة ، على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة ، على كل سرير منها قبة من ذهب ، مفرغة في كل قبة منها فرش من فرش الجنة ، متظاهرة في كل قبة منها جاريتان من الحور العين ، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة ، وليس في الجنة لون إلا وهو فيهما ، ولا ريح ولا طيب إلا قد عبق بهما ، ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة حتى يظن من يراهما أنهما دون القبة ، يرى مخهما من فوق سوقهما كالسلك الأبيض في ياقوتة حمراء يريان له من الفضل على صاحبته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل ، ويرى هو لهما مثل ذلك ويدخل إليهما فيحييانه ، ويقبلانه ، ويتعلقان به ، ويقولان له : واللّه ما ظننا أن اللّه يخلق مثلك ثم يأمر اللّه تعالى الملائكة فيسيرون بهم صفا في الجنة حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلة التي أعدت له . وقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده عن وهب بن منبه ، وزاد : فانظروا إلى موهوب ربكم الذي وهب لكم ، فإذا هو بقباب في الرفيق الأعلى ، وغرف مبنية من الدر والمرجان ، أبوابها من ذهب ، وسررها من ياقوت ، وفرشها من سندس وإستبرق ، ومنابرها من نور يفور من أبوابها ، وعراصها نور مثل شعاع الشمس عنده مثل الكوكب الدري في النهار المضيء ، وإذا بقصور شامخة في أعلى عليين من الياقوت يزهو نورها ، فلو لا أنه مسخر إذا لالتمع الأبصار ، فما كان من تلك القصور من الياقوت الأبيض فهو مفروش بالحرير الأبيض ، وما كان فيها من الياقوت الأحمر فهو مفروش بالعبقري الأحمر ، وما كان فيها من الياقوت الأخضر فهو مفروش بالسندس الأخضر ، وما كان فيها من الياقوت الأصفر فهو مفروش بالأرجوان الأصفر ، مبوبة بالزمرد الأخضر والذهب الأحمر والفضة البيضاء ، قوائمها وأركانها من الجوهر ، وشرفها قباب من لؤلؤ ، وبروجها غرف من المرجان . فلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربهم ، قربت لهم براذين من ياقوت أبيض ، منفوخ فيها الروح ، تجنبها الولدان المخلدون بيد كل وليد منهم حكمة « 2 » برذون من تلك البراذين ، ولجمها وأعنتها من فضة بيضاء منظومة بالدر والياقوت ، سروجها سرر موضونة « 3 » مفروشة بالسندس والإستبرق ، فانطلقت بهم تلك
هامش
( 1 ) التصريد : تقليل العطاء . ( 2 ) الحكمة : ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه . ( 3 ) السرر الموضونة : أي المنسوجة بالدر والجواهر .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 394 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين