تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 105 إلى 107 ]

وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ( 105 ) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( 106 ) أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 107 ) يخبر تعالى عن غفلة أكثر الناس عن التفكر في آيات اللّه ودلائل توحيده بما خلقه اللّه في السماوات والأرض من كواكب زاهرات ثوابت ، وسيارات وأفلاك دائرات ، والجميع مسخرات ، وكم في الأرض من قطع متجاورات ، وحدائق وجنات ، وجبال راسيات ، وبحار زاخرات ، وأمواج متلاطمات ، وقفار شاسعات ، وكم من أحياء وأموات ، وحيوان ونبات ، وثمرات متشابهة ومختلفات في الطعوم والروائح والألوان والصفات ، فسبحان الواحد الأحد ، خالق أنواع المخلوقات ، المتفرد بالدوام والبقاء والصمدية للأسماء والصفات ، وغير ذلك . وقوله :
وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
قال ابن عباس : من إيمانهم أنهم إذا قيل لهم : من خلق السماوات ، ومن خلق الأرض ، ومن خلق الجبال ؟ قالوا : اللّه ، وهم مشركون به « 1 » . وكذا قال مجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم . وفي الصحيحين : أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك ، تملكه وما ملك . وفي صحيح مسلم أنهم كانوا إذا قالوا : لبيك لا شريك لك ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « قد قد » أي حسب حسب ، لا تزيدوا على هذا « 2 » . وقال اللّه تعالى :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
وهذا هو الشرك الأعظم يعبد مع اللّه غيره ، كما في الصحيحين عن ابن مسعود قلت : يا رسول اللّه ، أي الذنب أعظم ؟ قال : « أن تجعل للّه ندا وهو خلقك » « 3 » . وقال الحسن البصري في قوله :
وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
قال : ذلك المنافق يعمل إذا عمل رياء الناس ، وهو مشرك بعمله ذلك يعني قوله تعالى :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
وثمّ شرك آخر خفي لا يشعر به غالبا فاعله ، كما روى حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن عروة قال : دخل حذيفة على مريض فرأى في عضده سيرا فقطعه - أو انتزعه - ثم قال
وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
وفي الحديث « من حلف بغير اللّه فقد
هامش
( 1 ) انظر تفسير الطبري 7 / 312 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الحج حديث 22 . ( 3 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 2 ، باب 3 ، ومسلم في الإيمان حديث 141 ، 142 .