تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
جرير « 1 » والسدي عن ابن عباس أنه أول نبي دعا بذلك ، وهذا يحتمل أنه أول من سأل الوفاة على الإسلام ، كما أن نوحا أول من قال :
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً
[ نوح : 28 ] ويحتمل أنه أول من سأل إنجاز ذلك ، وهو ظاهر سياق قول قتادة ، ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا . قال الإمام أحمد بن حنبل « 2 » رحمه اللّه : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان ولا بد متمنيا الموت ، فليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي » وأخرجاه في الصحيحين ، وعندهما « لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به إما محسنا فيزداد ، وإما مسيئا فلعله يستعتب ، ولكن ليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي » « 3 » . وقال الإمام أحمد « 4 » : حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا معان بن رفاعة ، حدثني علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال : جلسنا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكرنا ورققنا ، فبكى سعد بن أبي وقاص فأكثر البكاء ، وقال : يا ليتني مت ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « يا سعد أعندي تتمنى الموت ؟ » فردد ذلك ثلاث مرات ، ثم قال : « يا سعد إن كنت خلقت للجنة ، فما طال من عمرك وحسن من عملك فهو خير لك » . وقال الإمام أحمد « 5 » : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا أبو يونس ، وهو سليم بن جبير عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولا يدع به من قبل أن يأتيه إلا أن يكون قد وثق بعمله ، فإنه إذا مات أحدكم انقطع عنه عمره ، وأنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا » تفرد به أحمد ، وهذا فيما إذا كان الضر خاصا به ، وأما إذا كان فتنة في الدين فيجوز سؤال الموت ، كما قال اللّه تعالى إخبارا عن السحرة لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهددهم بالقتل قالوا
رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ
[ الأعراف : 126 ] وقالت مريم لما أجاءها المخاض ، وهو الطلق ، إلى جذع النخلة :
يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا
[ مريم : 23 ] لما علمت من أن الناس يقذفونها بالفاحشة ، لأنها لم تكن ذات زوج ، وقد حملت ووضعت ، وقد قالوا :
يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا
[ مريم : 27 - 28 ] فجعل اللّه لها من ذلك الحال فرجا ومخرجا ، وأنطق
هامش
( 1 ) تفسير الطبري 7 / 309 . ( 2 ) المسند 3 / 101 . ( 3 ) أخرجه البخاري في المرضى باب 19 ، ومسلم في الذكر حديث 10 . ( 4 ) . 5 / 266 ، 267 . ( 5 ) المسند 2 / 350 .