ومجاهد وغير واحد : يعني السرير ، أي أجلسهما معه على سريره ،
وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً
أي سجد له أبواه وإخوته الباقون . وكانوا أحد عشر رجلا ،
وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ
أي التي كان قصها على أبيه من قبل ،
إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً
[ يوسف : 4 ] الآية ، وقد كان هذا سائغا في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له ، ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام ، فحرم هذا في هذه الملة ، وجعل السجود مختصا بجناب الرب سبحانه وتعالى ، هذا مضمون قول قتادة وغيره .
وفي الحديث أن معاذا قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم ، فلما رجع سجد لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال « ما هذا يا معاذ ؟ » فقال إني رأيتهم يسجدون لأساقفتهم ، وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول اللّه ، فقال : « لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد ، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها » « 1 » . وفي حديث آخر : أن سلمان لقي النبي صلى اللّه عليه وسلم في بعض طرق المدينة ، وكان سلمان حديث عهد بالإسلام ، فسجد للنبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : « لا تسجد لي يا سلمان ، واسجد للحي الذي لا يموت » ، والغرض أن هذا كان جائزا في شريعتهم ، ولهذا خروا له سجدا ، فعندها قال يوسف :
يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا
أي هذا ما آل إليه الأمر ، فإن التأويل يطلق على ما يصير إليه الأمر ، كما قال تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ
[ الأعراف : 53 ] أي يوم القيامة يأتينهم ما وعدوا به من خير وشر .
وقوله :
قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا
أي صحيحة صدقا يذكر نعم اللّه عليه ،
وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ
أي البادية . قال ابن جريج وغيره : كانوا أهل بادية وماشية ، وقال : كانوا يسكنون بالعربات من أرض فلسطين من غور الشام ، قال : وبعض يقول : كانوا بالأولاج من ناحية شعب أسفل من حسمى ، وكانوا أصحاب بادية وشاء وإبل « 2 » .
مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ
أي إذا أراد أمرا قيض له أسبابا وقدره ويسره
إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ
بمصالح عباده ،
الْحَكِيمُ
في أقواله وأفعاله وقضائه وقدره وما يختاره ويريده . قال أبو عثمان النهدي ، عن سليمان : كان بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة ، قال عبد اللّه بن شداد : وإليها ينتهي أقصى الرؤيا ، رواه ابن جرير « 3 » ، وقال أيضا :
حدثنا عمر بن علي ، حدثنا عبد الوهاب الثقفي ، حدثنا هشام عن الحسن قال : كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة ، لم يفارق الحزن قلبه ، ودموعه تجري على خديه ، وما على وجه الأرض عبد أحب إلى اللّه من يعقوب .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة في النكاح باب 4 ، وأحمد في المسند 4 / 381 .
( 2 ) انظر تفسير الطبري 7 / 307 .
( 3 ) تفسير الطبري 7 / 308 .