تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ
قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : تقول الآن تبين الحق وظهر وبرز .
أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ
أي في قوله :
هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
تقول : إنما اعترفت بهذا على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر ، ولا وقع المحذور الأكبر ، وإنما راودت هذا الشاب مراودة فامتنع ، فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة
وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي
تقول المرأة : ولست أبرئ نفسي ، فإن النفس تتحدث وتتمنى ، ولهذا راودته لأن
النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي
أي إلا من عصمه اللّه تعالى :
إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ
وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام . وقد حكاه الماوردي في تفسيره ، وانتدب لنصره الإمام أبو العباس بن تيمية رحمه اللّه ، فأفرده بتصنيف على حدة ، وقد قيل : إن ذلك من كلام يوسف عليه السلام يقول :
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ
في زوجته
بِالْغَيْبِ
الآيتين ، أي إنما رددت الرسول ليعلم الملك براءتي ، وليعلم العزيز
أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ
في زوجته
بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ
الآية ، وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه . وقال ابن جرير « 1 » : حدثنا أبو كريب ، حدثنا وكيع عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما جمع الملك النسوة فسألهن : هل راودتن يوسف عن نفسه ؟
قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ
الآية ، قال يوسف
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
فقال جبريل عليه السلام : ولا يوم هممت بما هممت به ؟ فقال
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي
الآية ، وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وابن أبي الهذيل والضحاك والحسن وقتادة والسدي ، والقول الأول أقوى وأظهر ، لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك ، ولم يكن يوسف عليه السلام عندهم ، بل بعد ذلك أحضره الملك .

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 54 إلى 55 ]

وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ( 54 ) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ( 55 ) يقول تعالى إخبارا عن الملك حين تحقق براءة يوسف عليه السلام ونزاهة عرضه مما نسب إليه ، قال
ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي
أي أجعله من خاصتي وأهل مشورتي
فَلَمَّا كَلَّمَهُ
أي خاطبه الملك ، وعرفه ، ورأى فضله وبراعته ، وعلم ما هو عليه من خلق وخلق وكمال ، قال له الملك
إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ
أي إنك عندنا قد بقيت ذا مكانة وأمانة ، فقال
هامش
( 1 ) تفسير الطبري 7 / 237 .