تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
فقالوا : أيها العزيز إنا قدمنا للميرة ، قال : فلعلكم عيون ؟ قالوا : معاذ اللّه . قال : فمن أين أنتم ؟ قالوا من بلاد كنعان ، وأبونا يعقوب نبي اللّه . قال : وله أولاد غيركم ؟ قالوا : نعم كنا اثني عشر ، فذهب أصغرنا ، هلك في البرية وكان أحبنا إلى أبيه ، وبقي شقيقه فاحتبسه أبوه ليتسلى به عنه ، فأمر بإنزالهم وإكرامهم .
وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ
أي أوفى لهم كيلهم ، وحمل لهم أحمالهم ، قال : ائتوني بأخيكم هذا الذي ذكرتم لأعلم صدقكم فيما ذكرتم
أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
رغبهم في الرجوع إليه ، ثم رهبهم فقال :
فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي
الآية ، أي إن لم تقدموا به معكم في المرة الثانية فليس لكم عندي ميرة ،
وَلا تَقْرَبُونِ قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ
أي سنحرص على مجيئه إليك بكل ممكن ، ولا نبقي مجهودا لتعلم صدقنا فيما قلناه ، وذكر السدي أنه أخذ منهم رهائن حتى يقدموا به معهم ، وفي هذا نظر لأنه أحسن إليهم ورغبهم كثيرا ، وهذا لحرصه على رجوعهم .
وَقالَ لِفِتْيانِهِ
أي غلمانه
اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ
أي التي قدموا بها ليمتاروا عوضا عنها
فِي رِحالِهِمْ
أي في أمتعتهم من حيث لا يشعرون ،
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
بها ، قيل : خشي يوسف عليه السلام أن لا يكون عندهم بضاعة أخرى يرجعون للميرة بها . وقيل : تذمم أن يأخذ من أبيه وإخوته عوضا عن الطعام ، وقيل أراد أن يردهم إذا وجدوها في متاعهم تحرجا وتورعا ، لأنه يعلم ذلك منهم واللّه أعلم .

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 63 إلى 64 ]

فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 63 ) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 64 ) يقول اللّه تعالى عنهم : إنهم رجعوا إلى أبيهم
قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ
يعنون بعد هذه المرة ، إن لم ترسل معنا أخانا بنيامين لا نكتل ، فأرسله معنا نكتل ، وإنا له لحافظون ، قرأ بعضهم بالياء أي يكتل هو ،
وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
أي لا تخف عليه فإنه سيرجع إليك ، وهذا كما قالوا له في يوسف
أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
ولهذا قال لهم :
هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ
أي هل أنتم صانعون به إلا كما صنعتم بأخيه من قبل ، تغيبونه عني ، وتحولون بيني وبينه ؟
فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً
وقرأ بعضهم حفظا
وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
أي هو أرحم الراحمين بي ، وسيرحم كبري وضعفي ووجدي بولدي ، وأرجو من اللّه أن يرده علي ويجمع شملي به ، إنه أرحم الراحمين .