تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
تفسيرها ، فجمع الكهنة والحزاة « 1 » وكبار دولته وأمراءه فقص عليهم ما رأى وسألهم عن تأويلها ، فلم يعرفوا ذلك ، واعتذروا إليه بأنها
أَضْغاثُ أَحْلامٍ
أي أخلاط أحلام اقتضته رؤياك هذه
وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ
أي لو كانت رؤيا صحيحة من أخلاط لما كان لنا معرفة بتأويلها ، وهو تعبيرها ، فعند ذلك تذكر الذي نجا من ذينك الفتيين اللذين كانا في السجن مع يوسف ، وكان الشيطان قد أنساه ما وصاه به يوسف من ذكر أمره للملك ، فعند ذلك تذكر بعد أمة ، أي مدة ، وقرأ بعضهم بعد أمه أي بعد نسيان ، فقال لهم ، أي للملك والذين جمعهم لذلك .
أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ
أي بتأويل هذا المنام ،
فَأَرْسِلُونِ
أي فابعثون إلى يوسف الصديق إلى السجن ، ومعنى الكلام فبعثوه فجاءه ، فقال :
يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا
وذكر المنام الذي رآه الملك ، فعند ذلك ذكر له يوسف عليه السلام تعبيرها من غير تعنيف للفتى في نسيانه ما وصاه به ، ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك ، بل قال :
تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً
أي يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات ففسر البقر بالسنين لأنها تثير الأرض التي تستغل منها الثمرات والزروع ، وهن السنبلات الخضر . ثم أرشدهم إلى ما يعتدونه في تلك السنين ، فقال
فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ
أي مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب ، فادخروه في سنبله ليكون أبقى له وأبعد عن إسراع الفساد إليه إلا المقدار الذي تأكلونه ، وليكن قليلا قليلا ، لا تسرفوا فيه لتنتفعوا في السبع الشداد ، وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع المتواليات ، وهن البقرات العجاف اللاتي تأكل السمان ، لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب ، وهن السنبلات اليابسات ، وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئا ، وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء ، ولهذا قال :
يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ
. ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك
عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ
، أي يأتيهم الغيث وهو المطر وتغل البلاد ، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من زيت ونحوه ، وسكر ونحوه ، حتى قال بعضهم : يدخل فيه حلب اللبن أيضا . قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس
وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
يحلبون « 2 » .
هامش
( 1 ) حزا حزوا وتحزّى تحزوّا : زجر وتكهّن ، والحزاة ، جمع حاز هو المتكهن ، يحرز الأشياء ويقدرها بظنه . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 7 / 231 .