تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 50 إلى 53 ]

وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ( 50 ) قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ( 51 ) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ( 52 ) وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 53 ) يقول تعالى إخبارا عن الملك لما رجعوا إليه بتعبير رؤياه التي كان رآها بما أعجبه وأيقنه ، فعرف فضل يوسف عليه السلام ، وعلمه وحسن اطلاعه على رؤياه ، وحسن أخلاقه على من ببلده من رعاياه ، فقال :
ائْتُونِي بِهِ
أي أخرجوه من السجن وأحضروه ، فلما جاءه الرسول بذلك امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته ونزاهة عرضه مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز ، وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه ، بل كان ظلما وعدوانا ، فقال :
ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ
الآية . وقد وردت السنة بمدحه على ذلك والتنبيه على فضله وشرفه وعلو قدره وصبره ، صلوات اللّه وسلامه عليه ، ففي المسند والصحيحين من حديث الزهري عن سعيد وأبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
الآية ، ويرحم اللّه لوطا كان يأوي إلى ركن شديد ، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي » « 1 » . وفي لفظ لأحمد « 2 » : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله :
فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ
فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لو كنت أنا ، لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر » . وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه واللّه يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجوني ، ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه ، واللّه يغفر له حين أتاه الرسول ، ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب ، ولكنه أراد أن يكون له العذر » ، هذا حديث مرسل . وقوله تعالى :
قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ
إخبار عن الملك حين جمع النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند امرأة العزيز ، فقال مخاطبا لهن كلهن وهو يريد امرأة وزيره ، وهو العزيز ، قال الملك للنسوة اللاتي قطعن أيديهن
ما خَطْبُكُنَّ
أي شأنكن وخبركن
إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ
يعني يوم الضيافة ،
قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ
أي قالت لنسوة جوابا للملك : حاش للّه أن يكون يوسف متهما ، واللّه ما علمنا عليه من سوء ، فعند ذلك
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 12 ، باب 5 ، ومسلم في الإيمان حديث 238 . ( 2 ) المسند 2 / 347 ، 389 .