تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
يعبدونها ويسمونها آلهة إنما هو جهل منهم ، وتسمية من تلقاء أنفسهم ، تلقاها خلفهم عن سلفهم ، وليس لذلك مستند من عند اللّه ، ولهذا قال :
ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ
أي حجة ولا برهان ، ثم أخبرهم أن الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله للّه ، وقد أمر عباده قاطبة أن لا يعبدوا إلا إياه ، ثم قال تعالى :
ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
أي هذا الذي أدعوكم إليه من توحيد اللّه وإخلاص العمل له ، هو الدين المستقيم الذي أمر اللّه به ، وأنزل به الحجة والبرهان الذي يحبه وبرضاه
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
أي فلهذا كان أكثرهم مشركين ،
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
[ يوسف : 103 ] . وقد قال ابن جرير « 1 » : إنما عدل بهم يوسف عن تعبير الرؤيا إلى هذا ، لأنه عرف أنها ضارة لأحدهما ، فأحب أن يشغلهما بغير ذلك لئلا يعاودوه فيها . فعاودوه فأعاد عليهم الموعظة ، وفي هذا الذي قاله نظر ، لأنه قد وعدهما أولا بتعبيرها ، ولكن جعل سؤالهما له على وجه التعظيم والاحترام وصلة وسببا إلى دعائهما إلى التوحيد والإسلام ، لما رأى في سجيتهما من قبول الخير والإقبال عليه والإنصاف إليه ، ولهذا لما فرغ من دعوتهما شرع في تعبير رؤياهما من غير تكرار سؤال فقال :

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 41 ]

يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ( 41 ) يقول لهما
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً
وهو الذي رأى أنه يعصر خمرا ، ولكنه لم يعينه لئلا يحزن ذاك ، ولهذا أبهمه في قوله
وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ
وهو في نفس الأمر الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا ، ثم أعلمهما أن هذا قد فرغ منه ، وهو واقع لا محالة ، لأن الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت ، وقال الثوري : عن عمارة بن القعقاع ، عن إبراهيم عن عبد اللّه قال : لما قالا ما قالا وأخبرهما ، قالا : ما رأينا شيئا ، فقال :
قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ
« 2 » . ورواه محمد بن فضيل عن عمارة ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن ابن مسعود به ، وكذا فسره مجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم ، وحاصله أن من تحلم بباطل ، وفسره فإنه يلزم بتأويله ، واللّه تعالى أعلم ، وقد ورد في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد عن معاوية بن حيدة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر ، فإذا عبرت وقعت » وفي مسند أبي يعلى من طريق يزيد الرقاشي ، عن أنس مرفوعا « الرؤيا لأول عابر » .
هامش
( 1 ) تفسير الطبري 7 / 214 ، 215 . ( 2 ) تفسير الطبري 7 / 219 .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 334 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين