تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
فلهذا قال :
وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل . وقيل : إنما ذكروا لأنهم اتخذوا آلهة مع اللّه كما اتخذ المسيح ، فأخبر تعالى أنهم عبيد من عباده وخلق من خلقه ، كما قال تعالى :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ
[ الأنبياء : 26 ] ، ولهذا قال :
وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً
أي فيجمعهم إليه يوم القيامة ، ويفصل بينهم بحكمه العدل الذي لا يجوز فيه ، ولا يحيف ، ولهذا قال :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
أي فيعطيهم من الثواب على قدر أعمالهم الصالحة ، ويزيدهم على ذلك من فضله وإحسانه وسعة رحمته وامتنانه ، وقد روى ابن مردويه من طريق بقية عن إسماعيل بن عبد اللّه الكندي ، عن الأعمش ، عن سفيان ، عن عبد اللّه مرفوعا ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
قال : أجورهم : « أدخلهم الجنة »
وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
قال « الشفاعة فيمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في دنياهم وهذا إسناد لا يثبت « 1 » . وإذا روي عن ابن مسعود موقوفا ، فهو جيد
وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا
أي امتنعوا من طاعة اللّه وعبادته واستكبروا عن ذلك
فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً
كقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ
[ غافر : 60 ] أي صاغرين حقيرين ذليلين كما كانوا ممتنعين مستكبرين .

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 174 إلى 175 ]

يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ( 174 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 175 ) يقول تعالى مخاطبا جميع الناس ومخبرا بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم ، وهو الدليل القاطع للعذر والحجة المزيلة للشبهة ، ولهذا قال :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً
أي ضياء واضحا على الحق ، قال ابن جريج وغيره : وهو القرآن
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ
أي جمعوا بين مقامي العبادة ، والتوكل على اللّه في جميع أمورهم ، وقال ابن جريج : آمنوا باللّه واعتصموا بالقرآن . رواه ابن جرير « 2 »
فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ
أي يرحمهم فيدخلهم الجنة ، ويزيدهم ثوابا ومضاعفة ورفعا في درجاتهم من فضله عليهم وإحسانه إليهم ،
وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً
أي طريقا واضحا قصدا قواما لا اعوجاج فيه ولا انحراف وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة ، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات ، وفي الآخرة على صراط اللّه المستقيم المفضي إلى روضات الجنان . وفي حديث
هامش
( 1 ) قال في الدر المنثور ( 2 / 440 ) : وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والإسماعيلي بسند ضعيف عن ابن مسعود مرفوعا . ( 2 ) تفسير الطبري 4 / 378 .