تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
إلى مريم ، فنفخ فيها بإذن اللّه فكان عيسى عليه السلام . وقال البخاري « 1 » : حدثنا صدقة بن الفضل ، حدثنا الوليد ، حدثنا الأوزاعي ، حدثني عمير بن هانئ ، حدثنا جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من شهد أن لا إله إلا اللّه ، وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد اللّه ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، وأن الجنة حق والنار حق ، أدخله اللّه الجنة على ما كان من العمل » . وقال الوليد : فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عمير بن هانئ ، عن جنادة زاد « من أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء » . وكذا رواه مسلم عن داود بن رشيد ، عن الوليد ، عن ابن جابر به ، ومن وجه آخر عن الأوزاعي به ، فقوله في الآية والحديث « وروح منه » كقوله :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
[ الجاثية : 13 ] أي من خلقه ومن عنده وليست من للتبعيض كما تقوله النصارى عليهم لعائن اللّه المتتابعة - بل هي لابتداء الغاية كما في الآية الأخرى ، وقد قال مجاهد في قوله :
وَرُوحٌ مِنْهُ
أي ورسوله منه ، وقال غيره : ومحبة منه ، والأظهر الأول وهو أنه مخلوق من روح مخلوقة وأضيفت الروح إلى اللّه على وجه التشريف ، كما أضيفت الناقة والبيت إلى اللّه في قوله :
هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ *
[ الأعراف : 73 ] وفي قوله :
أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ
[ الحج : 26 ] وكما روي في الحديث الصحيح : « فأدخل على ربي في داره » أضافها إليه إضافة تشريف ، وهذا كله من قبيل واحد ونمط واحد . وقوله :
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ *
[ الأعراف : 158 ] أي فصدقوا بأن اللّه واحد أحد ، لا ولد له ولا صاحبة ، واعلموا وتيقنوا بأن عيسى عبد اللّه ورسوله ، ولهذا قال تعالى :
وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ
أي لا تجعلوا عيسى وأمه مع اللّه شريكين ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، وهذه الآية كالتي في سورة المائدة حيث يقول تعالى :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ
[ المائدة : 73 ] وكما قال في آخر السورة المذكورة :
وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي
[ المائدة : 116 ] ، وقال في أولها
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ
[ المائدة : 17 ] ، - فالنصارى عليهم لعائن اللّه - من جهلهم ليس لهم ضابط ، ولا لكفرهم حد ، بل أقوالهم وضلالهم منتشر ، فمنهم من يعتقده إلها ، ومنهم من يعتقده شريكا ، ومنهم من يعتقده ولدا ، وهم طوائف كثيرة لهم آراء مختلفة ، وأقوال غير مؤتلفة . ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال : لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا على أحد عشر قولا .
هامش
( 1 ) صحيح البخاري ( أنبياء باب 1 )
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 426 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين