تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رجلا قال يا محمد يا سيدنا وابن سيدنا ، وخيرنا وابن خيرنا ؛ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أيها الناس عليكم بقولكم « 2 » ولا يستهويكم الشيطان ، أنا محمد بن عبد اللّه ، عبد اللّه ورسوله ، واللّه ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني اللّه عز وجل » تفرد به من هذا الوجه . وقوله تعالى :
وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ
أي لا تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولدا ، تعالى اللّه عز وجل عن ذلك علوا كبيرا ، وتنزه وتقدس وتوحد في سؤدده وكبريائه وعظمته ، فلا إله إلا هو ، ولا رب سواه ، ولهذا قال :
إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ
أي إنما هو عبد من عباد اللّه وخلق من خلقه ، قال له : كن فكان ، ورسول من رسله وكلمته ألقاها إلى مريم ، أي خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل عليه السلام إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه عز وجل ، فكان عيسى بإذنه عز وجل ، وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها ، فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم ، والجميع مخلوق اللّه عز وجل ، ولهذا قيل لعيسى : إنه كلمة اللّه وروح منه ، لأنه لم يكن له أب تولد منه ، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان ، والروح التي أرسل بها جبريل قال اللّه تعالى :
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ
[ المائدة : 75 ] . وقال تعالى :
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ آل عمران : 59 ] . وقال تعالى :
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 91 ] وقال تعالى :
وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها
[ التحريم : 12 ] إلى آخر السورة ، وقال تعالى إخبارا عن المسيح :
إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ
[ الزخرف : 59 ] . وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ
هو قوله : كن فيكون . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال : سمعت شاذان بن يحيى يقول في قول اللّه
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ
قال : ليس الكلمة صارت عيسى ولكن بالكلمة صار عيسى ، وهذا أحسن مما ادعاه ابن جرير « 3 » في قوله :
أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ
أي أعلمها بها ، كما زعمه في قوله :
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ
[ آل عمران : 43 - 45 ] أي يعلمك بكلمة منه ويجعل ذلك كقوله تعالى :
وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
[ القصص : 86 ] بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل
هامش
( 1 ) مسند أحمد 3 / 153 . ( 2 ) في المسند : « بتقواكم » . ( 3 ) تفسير الطبري 4 / 374 .