تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
علي فأفقت فقلت : ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول اللّه ؟ فنزلت
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث حجاج بن محمد الأعور عن ابن جريج به ، ورواه الجماعة كلهم من حديث سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر . حديث آخر عن جابر في سبب نزول الآية قال أحمد « 1 » : حدثنا زكريا بن عدي ، حدثنا عبيد اللّه هو ابن عمرو الرقي ، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل ، عن جابر ، قال : جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالت : يا رسول اللّه هاتان ابنتا سعد بن الربيع ، قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيدا ، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ، ولا ينكحان إلا ولهما مال ، قال : فقال « يقضي اللّه في ذلك » فنزلت آية الميراث ، فأرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى عمهما فقال : « أعط ابنتي سعد الثلثين ، وأمهما الثمن ، وما بقي فهو لك » . وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من طرق عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل به ، قال الترمذي : ولا يعرف إلا من حديثه . والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسبب الآية الأخيرة من هذه السورة كما سيأتي ، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات ، ولم يكن له بنات ، وإنما كان يرث كلالة ، ولكن ذكرنا الحديث هاهنا تبعا للبخاري رحمه اللّه فإنه ذكره هاهنا ، والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الآية ، واللّه أعلم . فقوله تعالى :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
أي يأمركم بالعدل فيهم ، فإن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث للذكور دون الإناث ، فأمر اللّه تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث ، وفاوت بين الصنفين ، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤنة النفقة والكلفة ومعاناة التجارة والتكسب وتحمل المشاق ، فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى ، وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ
أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالدة بولدها ، حيث أوصى الوالدين بأولادهم ، فعلم أنه أرحم بهم منهم ، كما جاء في الحديث الصحيح وقد رأى امرأة من السبي فرق بينها وبين ولدها ، فجعلت تدور على ولدها ، فلما وجدته من السبي أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه « أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ذلك » ؟ قالوا : لا يا رسول اللّه . قال « فو اللّه للّه أرحم بعباده من هذه بولدها » « 2 » وقال البخاري هاهنا « 3 » : حدثنا محمد بن يوسف عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : كان المال للولد ، وكانت الوصية للوالدين ، فنسخ اللّه من ذلك ما أحب ، فجعل
هامش
( 1 ) مسند أحمد 3 / 352 . ( 2 ) صحيح البخاري ( أدب باب 18 ) وصحيح مسلم ( توبة حديث 22 ) ( 3 ) صحيح البخاري تفسير سورة النساء باب 5 )