تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
رواه ابن جرير « 1 » في تفسيره فقال : حدثنا الحسن بن يحيى ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : السدس الذي حجبته الإخوة الأم لهم ، إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أبيهم ، ثم قال ابن جرير : وهذا قول مخالف لجميع الأمة . وقد حدثني يونس ، أخبرنا سفيان ، أخبرنا عمرو عن الحسن بن محمد ، عن ابن عباس أنه قال : الكلالة من لا ولد له ولا والد . وقوله
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ
أجمع العلماء من السلف والخلف على أن الدين مقدم على الوصية وذلك عند إمعان النظر يفهم من فحوى الآية الكريمة . وقد روى أحمد والترمذي وابن ماجة وأصحاب التفاسير من حديث أبي إسحاق عن الحارث بن عبد اللّه الأعور ، عن علي بن أبي طالب ، قال : إنكم تقرأون
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ
وإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قضى بالدين قبل الوصية ، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات « 2 » ، يرث الرجل أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه . ثم قال الترمذي : لا نعرفه إلا من حديث الحارث ، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم . ( قلت ) لكن كان حافظا للفرائض معتنيا بها وبالحساب ، فاللّه أعلم . وقوله
آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً
أي إنما فرضنا للآباء والأبناء ، وساوينا بين الكل في أصل الميراث على خلاف ما كان عليه الأمر في الجاهلية وعلى خلاف ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من كون المال للولد وللأبوين الوصية ، كما تقدم عن ابن عباس ، إنما نسخ اللّه ذلك إلى هذا ففرض لهؤلاء ولهؤلاء بحسبهم ، لأن الإنسان قد يأتيه النفع الدنيوي أو الأخروي أو هما من أبيه ما لا يأتيه من ابنه ، وقد يكون بالعكس ، ولذا قال
آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً
أي كأن النفع متوقع ومرجو من هذا كما هو متوقع ومرجو من الآخر ، فلهذا فرضنا لهذا وهذا ، وساوينا بين القسمين في أصل الميراث ، واللّه أعلم . وقوله
فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ
أي هذا الذي ذكرناه من تفصيل الميراث وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض ، هو فرض من اللّه حكم به وقضاه ، واللّه عليم حكيم الذي يضع الأشياء في محالها ، ويعطي كلّا ما يستحقه يحسبه ، ولهذا قال
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً
.
هامش
( 1 ) تفسير الطبري 3 / 622 . ( 2 ) أبناء العلّات : هم أبناء رجل واحد من أمهات مختلفات .