تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
قال محمد بن إسحاق « 1 »
وَيَسْتَبْشِرُونَ
أي ويسرون بلحوق من خلفهم « 2 » من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم ، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب اللّه الذي أعطاهم . قال السدي : يؤتى الشهيد بكتاب فيه : يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا ، ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا ، فيسر بذلك كما يسر أهل الدنيا بغائبهم إذا قدم ، وقال سعيد بن جبير : لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء ، قالوا : يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة ، فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبوا ما أصبنا من الخير ، فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأمرهم وما هم فيه من الكرامة ، وأخبرهم ، أي ربهم ، أني قد أنزلت على نبيكم وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه ، فاستبشروا بذلك ، فذلك قوله :
وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ
الآية ، وقد ثبت في الصحيحين عن أنس رضي اللّه عنه في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار الذين قتلوا في غداة واحدة ، وقنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو على الذين قتلوهم ويلعنهم ، قال أنس : ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع « أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا » . ثم قال تعالى :
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ
قال محمد بن إسحاق : استبشروا وسروا لما عاينوا من وفاء الموعود وجزيل الثواب . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سواء الشهداء وغيرهم ، وقلما ذكر اللّه فضلا ذكر به الأنبياء وثوابا أعطاهم اللّه إياه ، إلا ذكر اللّه ما أعطى المؤمنين من بعدهم . وقوله تعالى :
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ
هذا كان يوم حمراء الأسد ، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين ، كروا راجعين إلى بلادهم ، فلما استمروا في سيرهم تندّموا لم لا تمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة ، فلما بلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليرعبهم ويريهم أن بهم قوة وجلدا ، ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد سوى جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه ، لما سنذكره ، فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة للّه عز وجل ولرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم . قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد اللّه بن يزيد ، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو ، عن عكرمة ، قال : لما رجع المشركون عن أحد ، قالوا : لا محمدا قتلتم ، ولا الكواعب أردفتم ، بئس ما صنعتم ، ارجعوا ، فسمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك ، فندب المسلمين ، فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد - أو بئر أبي عيينة - الشك من سفيان - فقال المشركون : نرجع من قابل ، فرجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكانت تعد غزوة ، فأنزل اللّه تعالى :
الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ
هامش
( 1 ) سيرة ابن هشام 2 / 119 . ( 2 ) في السيرة : « لحقهم » .