تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
المديني به . وقد رواه البيهقي أيضا من حديث أبي عبادة الأنصاري وهو عيسى بن عبد الرحمن إن شاء اللّه عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لجابر « يا جابر ألا أبشرك » قال : بلى ، بشرك اللّه بالخير ، قال « شعرت أن اللّه أحيا أباك ، فقال : تمن عليّ عبدي ما شئت أعطكه ، قال : يا رب ما عبدتك حق عبادتك ، أتمنى عليك أن تردني إلى الدنيا فأقاتل مع نبيك وأقتل فيك مرة أخرى ، قال : إنه سلف مني إنه إليها لا يرجع » . حديث آخر : قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي عن ابن إسحاق ، حدثنا الحارث بن فضيل الأنصاري عن محمود بن لبيد ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « الشهداء على بارق نهر بباب الجنة ، في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا » تفرد به أحمد . وقد رواه ابن جرير « 2 » عن أبي كريب : حدثنا عبد الرحمن بن سليمان وعبيدة عن محمد بن إسحاق به ، وهو إسناد جيد . وكأن الشهداء أقسام : منهم من تسرح أرواحهم في الجنة ، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة ، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر ، فيجتمعون هنالك ، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح ، واللّه أعلم - وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضا فيها ، وتأكل من ثمارها ، وترى ما فيها من النضرة والسرور ، وتشاهد ما أعده اللّه لها من الكرامة ، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم ، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة ، فإن الإمام أحمد رحمه اللّه ، رواه عن محمد بن إدريس الشافعي رحمه اللّه ، عن مالك بن أنس الأصبحي رحمه اللّه ، عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، عن أبيه رضي اللّه عنه ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه اللّه إلى جسده يوم يبعثه » « 3 » قوله « يعلق » أي يأكل ، وفي هذا الحديث « إن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة » وأما أرواح الشهداء فكما تقدم في حواصل طير خضر ، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين ، فإنها تطير بأنفسها ، فنسأل اللّه الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان . وقوله تعالى :
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ
إلى آخر الآية ، أي الشهداء الذين قتلوا في سبيل اللّه أحياء عند ربهم ، وهم فرحون بما هم فيه من النعمة والغبطة ، ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل اللّه أنهم يقدمون عليهم ، وأنهم لا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم ، نسأل اللّه الجنة .
هامش
( 1 ) مسند أحمد 1 / 266 . ( 2 ) تفسير الطبري 3 / 513 . ( 3 ) مسند أحمد 3 / 455 .