تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
بتهامة صفقتهم « 1 » معه لا يخفون عنه شيئا كان بها ، ومعبد يومئذ مشرك ، فقال : يا محمد ، أما واللّه لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ، ولوددنا أن اللّه عافاك فيهم ، ثم خرج ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء ، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، وقالوا : أصبنا حدّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم ؟ لنكرّنّ على بقيتهم ثم فلنفرغن منهم ، فلما رأى أبو سفيان معبدا ، قال : ما وراءك يا معبد ؟ قال : محمد وأصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثلهم ، يتحرقون عليكم تحرقا ، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا ، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط ، قال : ويلك ما تقول ؟ قال : واللّه ما أرى أن ترتحل حتى أرى نواصي الخيل . قال : فو اللّه لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم ، قال : فإني أنهاك عن ذلك ، فو اللّه لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتا من شعر ، قال : وما قلت ؟ قال : قلت : [ البسيط ]
كادت تهدّ من الأصوات راحلتي * إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل « 2 » تردي بأسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا ميل معازيل « 3 » فظلت أعدوا أظن الأرض مائلة * لما سموا برئيس غير مخذول فقلت ويل ابن حرب من لقائكم * إذا تغطمطت البطحاء بالخيل « 4 » إني نذير لأهل السيل ضاحية * لكل ذي إربة منهم ومعقول « 5 » من جيش أحمد لا وخش تنابلة * وليس يوصف ما أنذرت بالقيل
قال : فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ، ومر به ركب من بني عبد القيس فقال : أين تريدون ؟ قالوا : نريد المدينة . قال : ولم ؟ قالوا : نريد الميرة . قال : فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل لكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتمونا ؟ قالوا : نعم . قال : فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا المسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم ، فمر الركب برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بحمراء الأسد ، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه ، فقالوا : حسبنا اللّه ونعم الوكيل . وذكر ابن هشام عن أبي عبيدة ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين بلغه رجوعهم « والذي نفسي بيده لقد سومت « 6 » لهم حجارة لو أصبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب » .
هامش
( 1 ) صفقتهم معه : اتفاقهم معه . ( 2 ) تهدّ : تسقط لهول ما رأت وسمعت . الجرو : الخيل العتاق . الأبابيل : الجماعات . ( 3 ) تردى تسرع . والتنابلة : القصار . الميل : جمع أميل ، وهو الذي لا رمح أو لا ترس معه . وقيل : هو الذي لا يثبت على السرج . والمعازيل : الذي لا سلاح معهم . ( 4 ) تغطمطت : اهتزت وارتجّت . والجيل : الصنف من الناس . ويروى : إذا تعظمت البطحاء بالخيل . ( 5 ) أهل البسل : قريش ، لأنهم أهل مكة ومكة حرام . والضاحية : البارزة للشمس . والإربة : العقل . ( 6 ) سومت : جعلت لها علامة يعرف بها أنها من عند اللّه .