وأما كونها كالأصل لما بعدها فهو : أنه تعالى يأمره بعد هذه أن يكف عن أهل الدنيا جميعا بقوله :
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
. إلى آخر السورة . ويبطل أذاهم ، وذلك يقتضي نصرهم على أعدائهم ، لأن الطعن على الإنسان في دينه أشد عليه من الطعن في نفسه وزوجته ، وذلك مما يجبن عنه كل أحد من الخلق ، فإن موسى وهارون أرسلا إلى فرعون واحد فقالا :
إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى
[ 20 : 45 ] .
ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم مرسل إلى الخلق جميعا ، فكان كل واحد من الخلق كفرعون بالنسبة إليه . فدبر اللّه في إزالة الخوف الشديد تدبيرا لطيفا ، بأن قدم هذه السورة ، وأخبر فيها بإعطائه الخير الكثير ، ومن جملته أيضا : الرئاسة ، ومفاتيح الدنيا ، فلا يلتفت إلى ما بأيديهم من زهرة الدنيا ، وذلك أدعى إلى مجاهدتهم بالعداوة ، والصدع بالحق ، لعدم تطلعه إلى ما بأيديهم .
ثم ذكر بعد سورة الكافرين سورة النصر ، فكأنه تعالى يقول :
وعدتك بالخير الكثير ، وإتمام أمرك ، وأمرتك بإبطال أديانهم ، والبراءة من معبوداتهم ، فلما امتثلت أمري أنجزت لك الوعد بالفتح والنصر ، وكثرة الاتباع ، بدخول الناس في دين اللّه أفواجا .
ولما تم أمر الدعوة والشريعة ، شرع في بيان ما يتعلق بأحوال القلب والباطن .
وذلك أن الطالب إما أن يكون طلبه مقصورا على الدنيا ، فليس له إلا الذل والخسارة والهوان ، والمصير إلى النار ، وهو المراد من سورة تبت .
وإما أن يكون طالبا للآخرة ، فأعظم أحواله أن تصير نفسه كالمرآة التي تنتقش فيها صور الموجودات .
وقد ثبت أن طريق الخلق في معرفة الصانع على وجهين : منهم من قال : أعرف الصانع ، ثم أتوسل بمعرفته إلى معرفة مخلوقاته ، وهذا هو الطريق الأشرف ، ومنهم من عكس ، وهو طريق الجمهور .