الليلة الرابعة
قال لي بعد ذلك في ليلة أخرى : كيف رضاك عن أبي الوفاء ؟ قلت : أرضى رضا بأتمّ شكر وأحمد ثناء ، أخذ بيدي ، ونظر في معاشي ، ونشّطني وبشّرني ، ورعى عهدي ، ثم ختم هذا كلّه بالنعمة الكبرى ، وقلّدني بها القلادة الحسنى ، وشملني بهذه الخدمة ، وأذاقني حلاوة هذه المزيّة ، وأوجهني عند نظرائي .
قال : هات شيئا من الغزل . فأنشدته :
كلانا سواء في الهوى غير أنّها * تجلّد أحيانا وما بي تجلّد
تخاف وعيد الكاشحين وإنما * جنوني عليها حين أنهى وأبعد
ثمّ قال : غالب ظنّي أن نصرا غلام خواشاذة ما هرب من فنائي إلا برأيك وتجسيرك ، فإنّ ذلك عبد ، ولا جرأة له على مثل هذا النّدود والشّذوذ ، فقد قال لي القائل : إنّك من خلصانه .
فقلت : واللّه الّذي لا إله إلّا هو ما كان بيني وبينه ما يقتضي هذا الأنس وهذا الاسترسال ، إنما كنا نلتقي على زنبرية « 1 » باب الجسر بالعشايا وعند البيمارستان وعلى باب أبي الوفاء ، وإنما ركنت إليه لمرقّعته وتاسومته عندما كنت رأيته عند صاحبه بالرّيّ سنة تسع وستين وهو متوجه إلى قابوس بجرجان ، في المذلّة الدائمة والحال المربوطة ، ولو نبس لي بحرف من هذا ، أو كنت أشعر بأقلّ شيء منه ، لكنت أقوله لأبي الوفاء قضاء لحقّه ، ووفاء بما له في عنقي من مننه وخوفا من هذا الظنّ بي ، وقصورا عن اللائمة لي .
قال : أفما تعرف أحدا تسأله عنه ممن كان يخالطه ويباسطه ؟
قلت : ما رأيته إلا وحده ، وكم كان زمان التلاقي ؟ كان أقلّ من شهر ، أفي هذا القدر يتوكّد الأنس وترتفع الحشمة وتستحكم الثقة ويقع الاسترسال والتشاور ؟ هذا بعيد .
قال : هذا المتخلّف كنت قد قرّبته ورتّبته ، ووعدته ومنيّته ، وتقدمت إلى أبي الوفاء بالإقبال عليه ، والإحسان إليه ، وإذكاري بأمره في الوقت بعد الوقت ، حتى أزيده نباهة وتقديما ، فترك هذا كلّه وطوى الأرض كأنّه هارب من حبس ، أو خائف
هامش
( 1 ) السفينة التي في الجسر يعبر عليها السالكون .