تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
من عذاب . ويقال في الأثر : إن بعض الصّفيحيّين « 1 » قال : للّه قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل ، ما أكثر من يفرّ من هذه الكرامة ، ويقوى - على ترف جمّ - على الهوان ، ويصبر على البلاء ، ويقلق في العافية ! إنّ السجايا لمختلفة ، وإنّ الطباع لمتعادية ، قلّما يرى شخصان يتشاكلان في الظاهر إلّا يتباينان في الباطن . قلت : كذلك هو . قال : حدّثني لم امتنعت من النفوذ مع ابن موسى إلى الجبل فيما رسمنا له أن يتوجّه فيه ؟ ولقد أطلت التعجّب من هذا وكرّرته على أبي الوفاء . فقلت : منعني من ذلك ثلاثة أشياء : أحدها أن ابن موسى لم يكن من شكلي ولا أشدّ للضدّ هونا من مصاحبة الضّد ، لأنّه سوداويّ وجعد . والآخر أنّه قيل : ينبغي أن تكون عينا عليه ، وأنا لو قررت لك الحديث لما رأيته لائقا بحالي ، فكيف إذا قرنت برجل باطليّ لو مرّ بوهمه أمري لدهدهني من أعلى جبل في الطريق . والآخر أنّي كنت أفد مع هذا كله على ابن عبّاد - وهو رجل أساء إليّ وأوحشني ، وحاول على لسان صاحبه ابن شاهويه أن أنقلب إليه ثانيا ، وكنت أكره ذلك ، وما كنت آمن ما يكون منه ومنّي ، والمجنون المطاع ، مهروب منه بالطباع . وبعد ، فليس لي حاجة في مثل هذه الخدمة ، لأن صدر العمر خلا منّي عاريا من هذه الأحوال ، وكان وسطه أضعف حملا ، وأبعد من القيام به والقيام عليه . فقال : ما كان عندي هذا كلّه . قال : إنّي أريد أن أسألك عن ابن عبّاد فقد انتجعته وخبرته وحضرت مجلسه ، وعن أخلاقه ومذهبه وعادته ، وعن علمه وبلاغته ، وغالب ما هو عليه ، ومغلوب ما لديه ، فما أظنّ أنّي أجد مثلك في الخبر عنه ، والوصف له ، على أنّي قد شاهدته بهمذان لمّا وافى ، ولكنّي لم أعجمه ، لأن اللّبث كان قليلا ، والشغل كان عظيما ، والعائق كان واقعا . فقلت : إنّي رجل مظلوم من جهته ، وعاتب عليه في معاملتي ، وشديد الغيظ لحرماني ، وإن وصفته أربيت منتصفا ، وانتصفت منه مسرفا ، فلو كنت معتدل الحال بين الرضا والغضب ، أو عاريا منهما جملة ، كان الوصف أصدق ، والصدق به أخلق ، على أني عملت رسالة في أخلاقه وأخلاق ابن العميد أودعتها نفسي الغزير ، ولفظي الطويل والقصير ، وهي في المسوّدة ولا جسارة لي على تحريرها ، فإنّ جانبه مهيب ، ولمكره دبيب ، وقد قال الشاعر :
إلى أن يغيب المرء يرجى ويتّقى * ولا يعلم الإنسان ما في المغيّب
هامش
( 1 ) نسبة إلى الصفيح وهو من أسماء السماء ، يريد المتعبدين المتعلقة قلوبهم بالعالم العلوي .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 60 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي