تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
دوني ، ووقع الغنى عن جاهي وكلامي ولطفي وتوصيلي ، وجهلت أنّ من قدر على وصولك ، يقدر على فصولك « 1 » ، وأن من صعد بك حين أراد ، ينزل بك إذا شاء ، وأن من يحسن فلا يشكر ، يجتهد في الاقتصاد حتى يعذر . وبعد ، فما أطيل ، ولعلّ لهب الموجدة يزداد ، ولسان الغيظ يغلو ، وطباع الإنسان تحتدّ ، والندم على ما أسلفت من الجميل يتضاعف ، ولست أنت أوّل من برّ فعقّ ، ولا أنا أوّل من جفي فنقّ . وهذا فراق بيني وبينك وآخر كلامي معك ، وفاتحة يأسي منك ، قد غسلت يدي من عهدك بالأشنان البارقيّ ، وسلوت عن قربك بقلب معرض وعزم حيّ ، إلّا أن تطلعني طلع جميع ما تحاورتما وتجاذبتما هدب الحديث عليه ، وتصرفتما في هزله وجدّه ، وخيره وشرّه ، وطيّبه وخبيثه ، وباديه ومكتومه ، حتى كأني كنت شاهدا معكما ورقيبا عليكما ، أو متوسطا بينكما ، ومتى لم تفعل هذا ، فانتظر عقبى استيحاشي منك ، وتوقّع قلّة غفولي عنك ، وكأني بك وقد أصبحت حرّان حيران يا أبا حيّان ، تأكل إصبعك أسفا ، وتزدرد ريقك لهفا ، على ما فاتك من الحوطة لنفسك ، والنظر في يومك لغدك ، والأخذ بالوثيقة في أمرك ، أتظنّن بغرارتك وغمارتك ، وذهابك في فسولتك « 2 » التي اكتسبتها بمخالطة الصوفية والغرباء والمجتدين الأدنياء الأردياء ، أنك تقدر على مثل هذه الحال ، وأنام منك على حسن الظن بك ، والثقة بصدرك ووردك ، وأطمئن إلى حكّك وجردك وأتعامى عن حرّك وبردك ، هيهات ، رقدت فحلمت ، فخيرا رأيت وخيرا يكون . على هذا الحدّ كان مقطع كلامك في موجدتك ، وإلى هاهنا بلغ فيض عتبك ولائمتك ، وفي دون ذلك تنبيه للنائم ، وإيقاظ للساهي ، وتقويم لمن يقبل التقويم ، وقد قال الأوّل :
ألا إنّما يكفي الفتى عند زيغه * من الأود البادي ثقاف المقوّم
فقلت لك : أنا سامع مطيع ، وخادم شكور ، لا أشتري سخطك بكلّ صفراء وبيضاء « 3 » في الدنيا ، ولا أنفر من التزام الذنب والاعتراف بالتقصير ، ومثلي يهفو ويجمح ، ومثلك يعفو ويصفح ، وأنت مولى وأنا عبد ، وأنت آمر وأنا مؤتمر ، وأنت متمثل وأنا ممتثل ، وأنت مصطنع وأنا صنيعة ، وأنت منشّئ وأنا منشّأ ، وأنت أوّل وأنا آخر ، وأنت مأمول وأنا آمل ، ومتى لم تغفر لي الذنب البكر ، والجناية العذراء ، والبادرة النادرة ، فقد أعنتني على ما كان منّي ، ودللت على ملكك لي ، وأنّك كنت مترصّدا لهذه الهفوة ومعتقدا في مقابلتها هذه الجفوة ، وكرمك يأبى عليك هذا ، ومثولي بين يديك خدمة لك يحظره عليك .
هامش
( 1 ) أي خروجك من عند الوزير . ( 2 ) الغرارة : الغفلة ، والغمارة : الجهل والبلاهة ، والفسولة : الضعف والخسة وقلة المروءة . ( 3 ) أي الذهب والفضة .