تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
وإذا أراد اللّه [ تعالى ذكره ] أن يعظّم صغيرا فعل ، وإذا شاء أن يصغّر عظيما قدر ، له الخلق والأمر ، ولا معقّب لحكمه ، ولا رادّ لقضائه ، ولا صارف لقدره ، وقدرة الإنسان محدودة ، واستطاعته متناهية ، واختياره قصير ، وطاقته معروفة ، وكلّ ما جاوز هذا الحدّ وهذا التّناهي فهو الذي يجري على الإنسان شاء أو أبي ، كره أو رضي ، وهاهنا يفزع إلى اللّه من نازل المكروه ، وحادث المحذور . وذاك أنّ الرّوم تهايجت على المسلمين ، فسارت إلى نصيبين بجمع عظيم زائد على ما عهد على مرّ السّنين ، وكان هذا في آخر سنة اثنتين وستّين ، فخاف الناس بالموصل وما حولها ، وأخذوا في الانحدار على رعب قذف في قلوبهم ، ليكون سببا لما صار إليه الأمر ، وماج الناس بمدينة السّلام واضطربوا ، وتقسّم هذا الموج والاضطراب بين الخاصّة والعامّة ، وصارت العامّة طائفتين ، طائفة ترقّ للدّين ولما دهم المسلمين ، وتستعظم ذلك فرقا مما ينته إليه ، بعد ما يؤتى عليه ، وطائفة وجدت فرصتها في العيث والفساد ، والنّهب والغارة بوساطة التعصّب للمذهب . وافترقت الخاصة أيضا فرقتين : فرقة أحبّت أن تكون للنّاس حميّة للإسلام ، ونهوض إلى الغزو ، وانبعاث في نصرة المسلمين ، إذ قد أضرب السّلطان عن هذا الحديث ، لانهماكه في القصف والعزف ، وإعراضه عن المصالح الدّينيّة ، والخيرات السّياسيّة ، وطائفة اختارت السكون والإقبال على ما هو أحسم لمادّة الوثوب والهيج ، وأقطع لشغب الشاغب ، وأقمع لخلاف المتّهم ، فإنّ الاختلاف إذا عرض خفي موضع الاتّفاق ، والتبس الأمر على الصّغار والكبار ، وبمثل هذا فتحت البلاد ، وملكت الحصون ، وأزيلت النّعم ، وأريقت الدّماء ، وهتكت المحارم ، وأبيدت الأمم ، ونعوذ باللّه من غضب اللّه وممّا قرّب من سخط اللّه ، وإذا أراد اللّه أمرا كثّر بواعثه ، وفرّق نوابثه « 1 » . ولمّا اشتعلت النائرة ، واشتغلت الثّائرة ، صاح الناس : النّفير النّفير ، وإسلاماه ، وا محمّداه ، وا صوماه ، وا صلاتاه ، وا حجّاه ، وا غزواه ، وا أسراه ، في أيدي الرّوم والطّغاة . وكان عزّ الدّولة قد خرج في ذلك الأوان إلى الكوفة للصّيد ، ولأغراض غير ذلك ، فاجتمع الناس عند الشيوخ والأماثل والوجوه والأشراف والعلماء ، وكانت النّيّة بعد حسنة ، وللناس في ظلّ السلطان مبيت ومقيل ، ويستعذبون ورده ، ويستسهلون صدره ، وعجّوا وضجّوا ، وقالوا : اللّه اللّه ، انظروا في أمر الضّعفاء وأحوال الفقراء ، واغضبوا للّه ولدينه ، فإنّ هذا الأمر إذا تفاقم تعدّى ضعفاءنا إلى أقويائنا ، وبطل رأي كبرائنا في تدبير صغرائنا ، والتّدارك واجب ، وهو الإسلام ، إن لم نذبّ عنه غلب الكفر ، وهو الأمن والسكون إن لم يحفظا ، فهو الخوف والبلاء وذهاب الحرث
هامش
( 1 ) نوابث الأمر : مثيرات دفينة ومظهرات خفيفة .