تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
أعجب هذا ! أنت حمّلت الرسالة وأطالب غيرك بالجواب ؟ قال : فتلوّيت حياء من ابن يوسف ، فقال : هات يا هذا الحديث بفصّه ، فو اللّه لا أقنع إلّا به ، ما هذا التّواني والتكاسل ، فكرهت اللّجاج ، فسردته على وجهه ، ولم أغادر منه حرفا ، وابن يوسف يتقدّد في إهابه ، ويتغيّر وجهه عند كلّ لفظة تمرّ به ، فأقبل عليه الملك وقال : كيف ترى يا أبا القاسم الكيّس ؟ فقال : يا مولانا ، إنما أنا أقضي الحاجة بك ، فإذا لم تقضها كيف أكون ؟ فإن الحوائج كلّها إليك . قال : صدقت ، أنا لا أقضي حاجة لك ، لأنك لا تقصد بها وجه اللّه ، ولا تبغي بها مكرمة ، ولا تحفظ بها مروءة ، وإنّما ترتشي عليها ، وتصانع بها ، وتجعلني بابا من أبواب تجارتك وأرباحك ، ولو كنت أعلم أنّك تقضي حاجة للّه أو لمكرمة أو لرحمة ورقّة لكان ذلك سهلا عليّ ، وخفيفا عندي ، لكنّك معروف المذهب في الطّمع والحيلة ، وجرّ النار إلى قرصك ، وشرهك في جميع أحوالك ، وليس الذّنب لك ، ولكن لمن رآك إنسانا وأنت كلب . وصدق - صدّق اللّه قوله - فإنّه كان أخسّ خلق اللّه ، وأنتن الناس ، وأقذر الناس ، لا منظر ولا مخبر . وكانت أمّه مغنّية من أهل البيضاء ، وأبوه من أسقاط الناس ، ونشأ مع أشكاله ، وكان في مكتب الرّبضيّ على أحوال فاحشة ، وورّق زمانا ، ثم إنّ الزمان نوّه به ، ونبّه عليه ، ومثل هذا يكون ، والأيام ظهور وبطون ، وكما يسقط الفاضل إذا عانده الجدّ ، كذلك يرتفع السّاقط إذا ساعده الجدّ فهذا هذا . فقال : ما كان هذا الحديث عندي ، وإنّه لمن الغريب . ثم قال : كيف خبرك في الفتنة التي عرضت وانتشرت ، وتفاقمت وتعاظمت ؟ فكان من الجواب : خبر من شهد أوّلها ، وغرق في وسطها ، ونجا في آخرها . قال : حدّثني فإنّ في روايته وسماعه تبصرة وتعجّبا ، وزيادة في التّجربة . وقد قيل : تجارب المتقدّمين ، مرايا المتأخّرين ، كما يبصر فيها ما كان ، يتبصّر بها فيما سيكون ، والشاعر قد قال :
والدّهر آخره شبه بأوّله * ناس كناس وأيّام كأيّام
وليس من حادثة ماضية إلّا وهي تعرّفك الخطأ والصّواب منها لتكون على أهبة في أخذك وتركك ، وإقدامك ونكولك ، وقبضك وبسطك ، وهذا وإن كان لا يقي كلّ الوقاية ، فإنّه لا يلقي في التّهلكة كلّ الإلقاء . كان أوّل هذه الحادثة الفظيعة البشعة الّتي حيّرت العقول وولّهت الألباب ، وسافر عنها التوفيق ، واستولى عليها الخذلان ، وعدمت فيه البصائر ، شيء كلا شيء ،