تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
ثنى طرفك عن الرّقّة لهم ، ولا زهّدك في اصطناع حاليهم وعاطلهم ، ولا رغب بك عن قبول حقّهم لبعض باطلهم ، ولا ثقّل عليك إدناء قريبهم وبعيدهم ، وإنالة مستحقّهم وغير مستحقّهم أكثر مما في نفوسهم وأقصى ما تقدر عليه من مواساتهم ، من بشر تبديه ، وجاه تبذله ، ووعد تقدّمه ، وضمان تؤكّده ، وهشاشة تمزجها ببشاشة ، وتبسّم تخلطه بفكاهة فإنّ هذه كلّها زكاة المروءة ، ورباط النّعمة ، وشهادة بالمحتد الزّكيّ والعرق الطّيّب والمنشأ المحمود ، والعادة المرضيّة ، وهي مؤذنة بأنّ المنحة راهنة « 1 » ، والموهبة قاطنة ، والشكر مكسوب ، والأجر مذخور ، ورضوان اللّه واقع ، وأسأل اللّه بعد هذا كلّه ألّا يسهم « 2 » وجهي عندك ، ولا يزلّ قدمي في خدمتك ، ولا يزيغني « 3 » إلى ما يقطع مادّة إحسانك وعائدة رأيك ونافع نيّتك وجميل معتقدك ، بمنّه ولطفه . فهمت جميع ما قلته لي بالأمس فهما بليغا ، ووعيته وعيا تاما ، وبان لي الرّشد في جملته وتفصيله ، والصلاح في طرفيه ووسطه ، والغنيمة في ظاهره وباطنه ، والشفقة من أوّله إلى آخره . وأنا أعيده هاهنا بالقلم ، وأرسمه بالخطّ وأقيّده باللفظ ، حتّى يكون اعترافي به أرسى وأثبت ، وشهادتي على نفسي أقوى وأوكد ، ونكولي عنه أبعد وأصعب ، وحكمك به لي وعليّ أمضى وأنفذ . قلت لي - أدام اللّه تعالى توفيقك في كلّ قول وفعل ، وفي كلّ رأي ونظر - : إنّك تعلم يا أبا حيّان أنّك انكفأت من الرّيّ إلى بغداد في آخر سنة سبعين بعد فوت مأمولك من ذي الكفايتين « 4 » - نضّر اللّه وجهه - عاتبا على ابن عبّاد « 5 » مغيظا منه ، مقروح الكبد ، لما نالك به من الحرمان المرّ ، والصدّ القبيح ، واللقاء الكريه ، والجفاء الفاحش ، والقدع « 6 » المؤلم والمعاملة السيّئة ، والتغافل عن الثواب على الخدمة ، وحبس الأجرة على النّسخ والوراقة ، والتجهّم المتوالي عند كلّ لحظة ولفظة . وذكرت في الجملة شقاء اتّصل بك في سفرك ذلك ، وعناء نال منك في عرض « 7 » أحوالك ، ولعمري إنّ السّفر فعول لهذا كلّه ولأكثر منه ، فأرعيتك بصري ، وأعرتك سمعي ، وساهمتك في جميع ما وقرته في أذني بالجزع والتوجّع والاستفظاع
هامش
( 1 ) أي دائمة . ( 2 ) أي تغيّر الحال ، والسهوم تغيّر الوجه وعبوسه من الهم . ( 3 ) يعيلني . ( 4 ) ذو الكفايتين : لقب لأبي الفتح علي بن أبي الفضل محمد المعروف بابن العميد . ( 5 ) وابن عباد : هو الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن أبي الحسن عباس ولد سنة 326 ه . وتوفي سنة 385 ه . ( 6 ) المنع والزجر . ( 7 ) أي أكثر أحوالك .