تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
والتفجّع ، وضمنت لك تلافي ذلك كلّه بحاقّ « 1 » الشفقة وخالص الضمير ، ووعدتك صلاح الحال عن ثبات النيّة ، وصحّة العقيدة ، وقلت : أنا أرعى حقك القديم حين التقينا ( بأرّجان ) ، وأنا على باب ( ابن شاهويه ) الفقيه ، وعهدك الحديث حين اجتمعنا بمدينة السلام سنة ثمان وخمسين ، وأوصلك إلى الأستاذ أبي عبد اللّه العارض - أدام اللّه تأييده - وأخطب لك قبولا منه ، وتخفيف الإذن عليك ، وامتلاء الطّرف بك ، ونيل الحظوة بخدمتك وملازمتك ، وفعلت ذلك كلّه حتى استكتبك ( كتاب الحيوان ) لأبي عثمان الجاحظ ، لعنايتك به ، وتوفّرك على تصحيحه ، ثم حضنت « 2 » لك هذه الحال إلى يومنا هذا ، وهو الوزير العظيم الذي افتقرت الدولة إلى نظره وأمره ونهيه ، وإلى أن يكون هو المبرم والناقض ، والرافع والواضع ، والكافي والوافي ، والمقرّب لخدمها ونصائحها ، والمزحزح لحسدتها وأعدائها ، والراعي لرعيّتها ودهمائها ، والناهض بأثقالها وأعبائها ، أعانه اللّه على ما تولّاه ، وكفاه المهمّ في دنياه وأخراه ، بمنّه وقدرته . نعم ، ورتّبت ذلك كلّه ، ولم أقطع عنك عادتي معك في الاسترسال والانبساط ، والبر والمواساة ، والمساعدة والمواتاة ، والتعصّب والمحاماة . أفكان من حقّي عليك في هذه الأسباب التي ذكرتها ، وفي أخواتها التي تركتها كراهة الإطالة بها ، أنّك تخلو بالوزير - أدام اللّه أيّامه - ليالي متتابعة ومختلفة ، فتحدّثه بما تحبّ وتريد ، وتلقي إليه ما تشاء وتختار ، وتكتب إليه الرّقعة بعد الرّقعة ، ولعلّك في عرض ذلك تعدو طورك بالتّشدّق وتجوز حدّك بالاستحقار ، وتتطاول إلى ما ليس لك ، وتغلط في نفسك ، وتنسى زلّة العالم ، وسقطة المتحرّي ، وخجلة الواثق ، هذا وأنت غرّ لا هيئة لك في لقاء الكبراء ، ومحاورة الوزراء ، وهذه حال تحتاج فيها إلى عادة غير عادتك ، وإلى مران سوى مرانك ، ولبسة لا تشبه لبستك ، وقلّ من قرّب من وزير خدم فأجاد ، وتكلّم فأفاد ، وبسط فزاد ، إلّا سكر ، وقلّ من سكر إلا عثر وقلّ من عثر فانتعش ، وما زهد في هذه الحال كثير من الحكماء الأولين والعبّاد الربّانيّين ، إلا لغلظها وصعوبتها ، ومكروه عاقبتها ، وشدة الصبر على عوارضها ورواتبها ، وتفسّخ « 3 » المتن « 4 » بين حوادثها ونوائبها . والعجب أنك مع هذه الخلّة تظنّ أنها مطويّة عنّي وخافية دوني ، وأنك قد بلغت الغاية وادع القلب ، وملكت المكانة ثاني العنان ، وقد انقطعت حاجتك عني وعمن هو
هامش
( 1 ) أي صادق الشفقة وكاملها . ( 2 ) أي كفلتها لك وحفظتها عليك . ( 3 ) أي الضعف والعجز عن النهوض . ( 4 ) أي الظهر .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 35 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي