تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
تخضع لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث . حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن ، فأدب وفلسفة وحيوان ومجون وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث وغناء ولغة وسياسة وتحليل شخصيات لفلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتصوير للعادات وأحاديث المجالس ، وغير ذلك مما يطول شرحه . فلما أراد أبو حيان أن يدوّن لأبي الوفاء ما دار بينه وبين الوزير زاد فيه ونمق الحديث . وكان يدوّن جزءا ويرسله إلى أبي الوفاء ويتبعه بجزء آخر وهكذا . . . وحدث هو نفسه عن ذلك كله في أول الجزء الثاني فقال : « قد فرغت من الجزء الأول على ما رسمت لي القيام به ، وشرفتني بالخوض فيه ، وسردت في حواشيه أعيان الأحاديث التي خدمت بها مجلس الوزير ، ولم آل جهدا في روايتها وتقويمها ، ولم أجنح إلى تعمية شيء منها ، بل زبرجت كثيرا بناصع اللفظ مع شرح الغامض ، وصلة المحذوف ، وإتمام المنقوص ، وحملته إليك على يد « فائق » الغلام ، وأنا حريص على أن أتبعه بالجزء الثاني ، وهو يصل إليك في الأسبوع إن شاء اللّه . وقد خاف أبو حيان من بعض ما ورد في الكتاب ، فإنه في حديثه مع الوزير عاب أشخاصا من رجالات الدولة الذين يستطيعون إيذاءه ، فرجا أبو الوفاء أن يحفظ هذا الكتاب سرا ، فقال : « وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد كما سألتك على طريق الاقتراح أن تكون هذه الرسالة مصونة عن عيون الحاسدين العيابين ، بعيدة عن تناول أيدي المفسدين المنافسين ، فليس كل قائل يسلم ، ولا كل سامع ينصف » . وقد أنجز أبو حيان وعده ، وأرسل إليه الجزء الثاني على يد غلامه فائق أيضا . ثم أرسل إليه الجزء الثالث وهو الأخير ، وقال في أوله : « قد أرسلت إليك الجزءين الأول والثاني . وهذا الجزء - وهو الثّالث قد واللّه ألقيت فيه كل ما في نفسي من جد هزل ، وغث وسمين ، وشاحب ونضير ، وفكاهة وأدب ، واحتجاج واعتذار . . . ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري » . وعلى هذا الوضع ينتهي الكتاب . ولست أستبعد أن يكون أبو حيان قد تزيد فيه ، واخترع أشياء لم تجر في مجلس الوزير ، فقد عرف عنه أمثلة من هذا القبيل ، فقد اتهمه العلماء من قبل ومنهم ابن أبي الحديد بأنه وضع الرسالة المشهورة المعزوّة إلى أبي عبيدة على لسان أبي بكر وعمر في حق علي بن أبي طالب ، ولعل هذا التزيد كان من ضمن الأسباب التي دعته أن يرجو أبا الوفاء في أن يكون الكتاب سرا ، فإنه ألّف الكتاب في حياة الوزير ، وخشي أن الوزير يطلع عليه فيعلم مقدار ما تزيد .