تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣

[ مقدمة المؤلف ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قال أبو حيّان التوحيديّ : نجا من آفات الدنيا من كان من العارفين ووصل إلى خيرات الآخرة من كان من الزاهدين ، وظفر بالفوز والنعيم من قطع طمعه من الخلق أجمعين ، والحمد للّه رب العالمين ، وصلّى اللّه على نبيّه وعلى آله الطاهرين . أمّا بعد ، فإنّي أقول منبّها لنفسي ، ولمن كان من أبناء جنسي : من لم يطع ناصحه بقبول ما يسمع منه ، ولم يملّك صديقه كلّه فيما يمثّله كلّه ، ولم ينقد لبيانه فيما يريغه « 1 » إليه ويطلعه عليه ، ولم ير أنّ عقل العالم الرشيد ، فوق عقل المتعلّم البليد ، وأنّ رأي المجرّب البصير ، مقدّم على رأي الغمر « 2 » الغرير فقد خسر حظّه في العاجل ، ولعلّه أيضا يخسر حظّه في الآجل ، فإنّ مصالح الدنيا معقودة بمراشد الآخرة ، وكلّيّات الحسّ في هذا العالم ، في مقابلة موجودات العقل في ذلك العالم ، وظاهر ما يرى بالعيان مفض إلى باطن ما يصدق عنه الخبر ، وبالجملة ، الدّاران متّفقتان في الخير المغتبط به ، والشرّ المندوم عليه ، وإنّما يختلفان بالعمل المتقدّم في إحداهما ، والجزاء المتأخّر في الأخرى ، وأنا أعوذ باللّه الملك الحقّ الجبّار العزيز الكريم الماجد أن أجهل حظّي ، وأعمى عن رشدي ، وألقي بيدي إلى التّهلكة ، وأتجانف إلى ما يسوؤني أوّلا ولا يسرّني آخرا ، هذا وأنا في ذيل الكهولة وبادئة الشيخوخة ، وفي حال من إن لم تهده التجارب فيما سلف من أيّامه ، في حالي سفره ومقامه ، وفقره وغنائه ، وشدّته ورخائه ، وسرّائه وضرائه ، وخيفته ورجائه ، فقد انقطع الطمع من فلاحه ووقع اليأس من تداركه واستصلاحه ، فإلى اللّه أفزع من كلّ ريث وعجل ، وعليه أتوكّل في كل سؤل وأمل ، وإيّاه أستعين في كلّ قول وعمل . قد فهمت أيّها الشيخ « 3 » - حفظ اللّه روحك ، ووكل السلامة بك ، وأفرغ الكرامة عليك ، وعصب كلّ خير بحالك ، وحشد كلّ نعمة في رحابك ورحم هذه الجماعة الهائلة - من أبناء الرجاء والأمل - بعنايتك ، ولا قطعك من عادة الإحسان إليهم ، ولا
هامش
( 1 ) يريده ويطلبه . ( 2 ) من لم يجرب الأمور والجاهل الأبله . ( 3 ) يريد به أبا الوفا المهندس .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 33 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي