الليلة الثالثة والثلاثون
عدنا إلى ما كنّا فيه من حديث الممالحة - وكان قد استزادني - فكتبت له هذه الورقات وقرأتها بين يديه ، فقال كلاما كثيرا عند كلّ ما مرّ ممّا يكون صلة لذلك الحديث ، خزلته طلبا للتّخفيف .
قال حمّاد الرّاوية : عن قتادة قال زياد لغيلان بن خرشة : أحبّ أن تحدّثني عن العرب وجهدها وضنك عيشها لنحمد اللّه على النّعمة الّتي أصبحنا بها . فقال غيلان :
حدّثني عمّي قال : توالت على العرب سنون سبع في الجاهلية حصّت كلّ شيء ، فخرجت على بكر لي في العرب ، فمكثت سبعا لا أذوق فيهنّ شيئا إلّا ما ينال بعيري من حشرات الأرض حتى دنوت إلى حواء عظيم ، فإذا ببيت جحش « 1 » عن الحيّ ، فملت إليه ، فخرجت إليّ امرأة طوالة حسّانة ، فقالت : من ؟ قلت : طارق ليل يلتمس القرى . فقالت : لو كان عندنا شيء آثرناك به ، والدالّ على الخير كفاعله ، جس هذه البيوت فانظر إلى أعظمها ، فإن يك في شيء منها خير ففيه . ففعلت حتى دنوت إليه ، فرحّب بي صاحبه وقال : من ؟ قلت : طارق ليل يلتمس القرى . فقال : يا فلان ، فأجابه ، فقال : هل عندك ( من ) طعام ؟ قال : لا ، قال : فو اللّه ما وقر في أذني شيء كان أشدّ عليّ منه . فقال : هل عندك من شراب ؟ قال : لا ، ثم تأوّه وقال : قد أبقينا في ضرع فلانة شيئا لطارق إن طرق ، قال : فأت به ، فأتى العطن فابتعثها ، فحدّثني عمّي أنّه شهد فتح أصفهان وتستر ومهرجان قذف وكور الأهواز وفارس ، وجاهد عند السّلطان وكثر ماله وولده ، قال : فما سمعت شيئا قطّ كان ألذّ إليّ من شخب تلك الناقة في تلك العلبة ، حتى إذا ملأها ففاضت من جوانبها وارتفعت عليها رغوة كجمّة الشّيخ أقبل بها نحوي فعثر بعود أو حجر ، فسقطت العلبة من يده ، فحدّثني أنّه أصيب بأبيه وأمّه وولده وأهل بيته ، فما أصيب بمصيبة أعظم عليه من ذهاب العلبة ، فلمّا رآني كذلك ربّ البيت خرج شاهرا سيفه ، فبعث الإبل ثم نظر إلى أعظمها سناما ، على ظهرها مثل رأس الرّجل الصّعل « 2 » ، فكشف عن فوّهته ثم أوقد نارا ، واجتبّ سنامها ، ودفع إليّ مدية وقال : يا عبد اللّه ، اصطل واجتمل فجعلت أهوي بالبضعة إلى النّار ، فإذا بلغت إناها أكلتها ، ثم
هامش
( 1 ) أي بعيد عن منازل ذلك الحي .
( 2 ) الدقيق الرأس .