كذبك ، وإن صدقته حربك متمرّدهم صاعقة على المعاملين ، وصاحب سمتهم نقمة على المسترسلين ، قد تعاطوا المنكر حتّى عرف ، وتناكروا المعروف حتّى نسي ، يتمسّكون من الملّة بما أصلح البضائع « 1 » ، وينهون عنها كلّما عادت بالوضائع ، يسرّ أحدهم بحيلة يرزقها لسلعة ينفّقها ، وغيلة لمسلم يحميه الإسلام ، فإذا أحكم حيلته وغيلته غدا قادرا على حرده ، فغرّ وضرّ ، وآب إلى منزله بحطام قد جمعه مغتبطا بما أباح من دينه وانتهك من حرمة أخيه ، يعدّ الذي كان منه حذقا بالتكسّب ، ورفقا بالمطّلب ، وعلما بالتجارة ، وتقدّما في الصّناعة .
فلمّا بلغت قراءتي هذا الموضع قال الوزير : إن كان هذا الوصف عنى العامّة بهذا القول دخل في وصفه الخاصة أيضا ، فو اللّه ما أسمع ولا أرى هذه الأخلاق إلّا شائعة في أصناف الناس من الجند والكتّاب والتّنّاء والصالحين وأهل العلم ، لقد حال الزّمان إلى أمر لا يأتي عليه النّعت ، ولا تستوعبه الأخبار ، وما عجبي إلّا من الزّيادة على مرّ السّاعات ، ولو وقف لعلّه كان يرجى بعض ما قد وقع اليأس منه ، واعترض القنوط دونه .
فقال ابن زرعة وكان حاضرا : هذا لأنّ الزمان من قبل كان ذا لبوس من الدّين رائع ، وذا يد من السّياسة بسيطة ، فأخلق اللّبوس وبلى ، بل تمزّق وفني ، وضعفت اليد بل شلّت وقطعت ، ولا سبيل إلى سياسة دينيّة لأسباب لا تتفق إلّا بعلل فلكيّة ، وأمور سماويّة ، فحينئذ يكون انقياد الأمور الجانحة لها ، في مقابلة حران الأمور الجامحة عنها ، وذلك منتظر في وقته ، وتمنّي ذلك قبل إبانة وسواس النّفس ، وخور الطّباع ، والناس أهداف لأغراض الزمان ومقلّبون بحوادث الدهور ، ولا فكاك لهم من المكاره ، ولا اعتلاق لهم بالمحابّ إلّا بالدواعي والصوارف التي لا سبيل لهم إلى تحويل هذه إلى هذه ، ولا إلى تبديل هذه بهذه ، واختيارهم للتوجّه إلى محبوبهم أو الإعراض عن مكروههم ضعيف طفيف ، ولولا ذلك لكانت الحسرات تزول في وقت ما يراد ، والغبطة تملك بإدراك ما يتمنّى ، وهذا شأو محكوم به بقوّة النّفس ، غير مستيقظ إليه بقوّة الحسّ .
فقال الوزير : أحسنت يا أبا عليّ في هذا الوصف ، « وإنّ نفثك ليدلّ على أكثر من ذلك » ، ولو كان البال ظافرا بنعمة ، والصّدر فارغا من كربة ، لكنّا نبلغ من هذا الحديث مبلغا نشفي به غليلنا قائلين ونشفى به مستمعين ، ولكنّي قاعد معكم وكأني غائب ، بل أنا غائب من غير كاف التّشبيه ، واللّه ما أملك تصرّفي ولا فكري في أمري ، أرى وحدا
هامش
( 1 ) الخسائر .