تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
لانتظامها في طينة واحدة - فإنّها تتميّز بقوّة العقل في الصّورة المخلوطة إما مفارقة ، وإما مواصلة . ومرّ له في هذا الموضع كلام بليغ تامّ مكشوف « 1 » . ثمّ ترامى الحديث إلى أمر المطعمين والطاعمين ، والذين يهشّون عند المائدة ، والذين يعبسون ويجمون ويطرقون ، والذين يصخبون ويلغطون ، ويضجرون ويغتاظون . فقال : أحبّ أن أسمع في هذا أكثر ما فيه ، ويمرّ بي أعجبه ، فإنّ في معرفة هذا الباب تهذيبا وإيقاظا كثيرا . فكان من الجواب : إنّ الناس قديما وحديثا قد خاضوا في هذا الفنّ خوضا بعيدا ، وما وقفوا منه عند حدّ ، لأن الحديث عن الأخلاق المختلفة بالأمزجة المتباينة ، والطبائع المتنائية لا يكاد ينتهي إلى غاية يكون فيها شفاء للمستمع المستفيد ولا للرواية المفيد . قال : قبل كل شيء أعلمونا يا أصحابنا : الحثّ على الأكل أحسن ، أم الإمساك حتى يكون من الأكل ما يكون ؟ فكان من الجواب : أن هذه المسألة بعينها جرت بالأمس بالرّيّ عند ابن عبّاد فتنوهب الكلام فيها ، وأفضى إلى الأولى الحثّ والتأنيس والبسط والطّلاقة ولين اللّفظ وقلّة التّحديق وإسجاء الطّرف مع اللّطف والدّماثة ، من غير دلالة على تكلف في ذلك فاضح ولا إمساك عنه قادح . وحكى ابن عبّاد في هذا الموضع أنّ بعض السّلف قال : الطعام أهون من أن يحثّ على تناوله . وقال الحسن بن عليّ : الطعام أجلّ من أن لا يحثّ على تناوله . ومذهب الحسن أحسن . قال : ولقد حضرت موائد ناس لا أظنّ بهم البخل فلم يحثّوني ولم يبسطوني فقبضني ذلك ، وكأنّ انقباضي كان بمعونتهم ، وإن لم يكن بإرادتهم . قال الوزير : هذه فائدة من هذا الرجل الّذي يتهادى قوله ، وتتراوى أخباره . ثم حكيت له أن أسماء بن خارجة قال : ما صنعت طعاما قطّ فدعوت عليه نفرا إلّا كانوا أمّن عليّ منّي عليهم . فقال : زدنا من هذا الضرب ما كان ، قلت : لو أذن لي في جمعه كان أولى ، قال : لك ذلك فما يضرّنا أن تطرب آذاننا بما تهوى نفوسنا . فكان من الجواب أنّ الجاحظ قد أتى على جمهرة هذا الباب إلّا ما شذّ عنه ممّا لم يقع إليه ، فإن العالم - وإن كان بارعا - ليس يجوز أن يظن به أنه قد أحاط بكلّ
هامش
( 1 ) إلى هنا ينتهي الجزء الثاني حسب تقسيم طبعة أحمد أمين وأحمد الزين .