تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠

الليلة الواحدة والثلاثون

وجرى ليلة حديث الرأي في الحرب والحزم والتّيقّظ وقلّة الاستهانة بالخصم . فقال ابن عبيد الكاتب : أنا أستحسن كلاما جرى أيّام الأمين والمأمون ، وذاك أن عليّ بن عيسى بن ماهان لمّا توجّه إلى حرب طاهر بن الحسين من بغداد ، سأل قوما وردوا من الرّيّ عن طاهر ، فقالوا : إنه مجدّ . فقال : وما طاهر ؟ إنما هو شوكة من أغصاني ، وشرارة من ناري ، ثم قال لأصحابه : واللّه ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشّجر من الرّيح العاصفة إلّا أن يبلغه عبورنا عقبة همذان ، لأنّ السّخال لا تقوى على النّطاح ، والثعالب لا صبر لها على لقاء الأسود ، فإن يقم طاهر بموضعه يكن أوّل معرّض لظبات السّيوف وأسنّة الرّماح . فقال يحيى بن عليّ لعليّ بن عيسى : أيّها الأمير ، إنّ العساكر لا تساس بالتّواني ، والحروب لا تدبّر بالاغترار ، وإنّ الشّرارة الخفيّة ربّما صارت ضراما ، والنّهلة من السّيل ربّما صارت بحرا عظيما . فقال : إنّما حجب عليّ بن عيسى عن وثيق الرّأي هذا الاستحقار بالكلام ، والاقتدار على اللّفظ ، ومن صدق فكره في طلب الرأي النافع ، قلّ كلامه بالهذر الضائع . وقال في هذه الليلة : ما رأيت من يفي بإحصاء وجوه فعيل ومواقعها . فكان من الجواب : أنّ الأخفش قد ذكر عشرة أوجه ، وهي أكثر ما قدر عليه ، والتصفّح قد دلّ على أربعين وجها وزيادة . قال : فما أغرب ما مرّ بك منها ؟ فقيل : فعيل بمعنى فعل . فقال : هذا واللّه غريب ، فهات له شاهدا . فقيل : يقال مكان دميث ودمث ، ويقين ويقن ، ورصيف ورصف ، وللفرس العتيد للعدو : العتد ، والنّقيل من العدو : نقل ، والخبيط من الورق : خبط ، وللعديم : عدم ، والبئر النّزيح : نزح ، وللجسم العميم : عمم . وقال ابن الأعرابي : القفيل الشّوك اليابس ، والجمع قفل . وقال أحمد بن يحيى : هو مني بعد أي بعيد ، والبعد يكون للجمع والواحد . فعجب وقال : ينبغي أن يعنى بهذه الوجوه كلّها . فإنّ الزيادة على مثل الأخفش