تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
وأين من يفتخر بالقريض ، ويدلّ بالنّظم ، ويباهي بالبديهة ، من وزير الخليفة ، ومن صاحب السّرّ ، وممن ليس بين لسانه ولسان صاحبه واسطة ، ولا بين أذنه وأذنه حجاب ؟ ! ومتى كانت الحاجة إلى الشعراء كالحاجة إلى الوزراء ؟ ! ومتى قام وزير لشاعر للخدمة أو للتّكرمة ؟ ! ومتى قعد شاعر لوزير على رجاء وتأميل ؟ ! بل لا ترى شاعرا إلّا قائما بين يدي خليفة أو وزير أو أمير باسط اليد ، ممدود الكفّ ، يستعطف طالبا ، ويسترحم سائلا ، هذا مع الذّلّة والهوان ، والخوف من الخيبة والحرمان ، وخطر الرّدّ عليه في لفظ يمرّ ، وإعراب يجري ، واستعارة تعرض ، وكناية تعترض ، ثمّ يكون مقليّا مشينا بما يظنّ به من الهجاء الذي ربما دلّاه في حومة الموت ، وقد برّأ اللّه تعالى بإحسانه القديم ومنّه الجسيم صاحب البلاغة من هذا كلّه ، وكفاه مئونة الغدر به ، والضّرر فيه . قال : وكان ابن ثوابة إذا جال في هذه الأكناف لا يلحق شأوه ، ولا يشقّ غباره ، ولا يطمع في جوابه . قال : وله مناظرات واسعة في هذا الباب مع جماعة من أهل زمانه ناقضوه وعارضوه ، وكاشفوه وواجهوه ، فثبت لهم ، وانتصف منهم ، وأربى عليهم ، ولم يقلع عن مسالطتهم ومبالطتهم إلى أن نكصوا على أعقابهم ، وراجعوا ما هو أولى بهم . قال أبو سليمان : المعاني المعقولة بسيطة في بحبوحة النفس ، لا يحوم عليها شيء قبل الفكر ، فإذا لقيها الفكر بالذّهن الوثيق والفهم الدّقيق ألقى ذلك إلى العبارة ، والعبارة حينئذ تتركّب بين وزن هو النّظم للشّعر ، وبين وزن هو سياقة الحديث ، وكلّ هذا راجع إلى نسبة صحيحة أو فاسدة ، وصورة حسناء أو قبيحة ، وتأليف مقبول أو ممجوج ، وذوق حلو أو مرّ وطريق سهل أو وعر ، واقتضاب مفضّل أو مردود ، واحتجاج قاطع أو مقطوع ، وبرهان مسفر أو مظلم ، ومتناول بعيد أو قريب ، ومسموع مألوف أو غريب . قال : فإذا كان الأمر في هذه الحال على ما وصفنا فللنثر فضيلته الّتي لا تنكر ، وللنّظم شرفه الّذي لا يجحد ولا يستر ، لأنّ مناقب النّثر في مقابلة مناقب النّظم ، ومثالب النّظم في مقابلة مثالب النّثر ، والذي لا بدّ منه فيهما السّلامة والدّقّة ، وتجنّب العويص ، وما يحتاج إلى التأويل والتخليص . وقد قال بعض العرب : خير الكلام ما لم يحتج معه إلى كلام . ووقف أعرابيّ على مجلس الأخفش فسمع كلام أهله في النّحو وما يدخل معه ، فحار وعجب ، وأطرق ووسوس ، فقال له الأخفش : ما تسمع يا أخا العرب ؟ قال : أراكم تتكلّمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا .