الليلة الرابعة والعشرون
وجرى حديث الفيل ليلة فأكثر من حضر وصفه بما لم يكن فيه فائدة تعاد ، ولا غريبة تستفاد ، فحكيت : إن العلماء بطبائع الحيوان ذكروا أن الفيلة لا تتولّد إلّا في جزائر البحار الجنوبيّة ، وتحت مدار برج الحمل ، والزّرافة لا تكون إلا في بلاد الحبشة ، والسّمّور وغزال المسك لا يكونان إلّا في الصّحاري الشرقيّة الشّمالية ، وأما الصّقور والنّسور والبزاة وما شاكلها من الطير فإنها لا تفرخ إلا في رؤوس الجبال الشامخة والعقاب . والنعام لا تفرخ إلا في البراريّ والقفار والفلوات . والوطواط والطّيطوى وأمثالهما من الطير لا تفرخ إلّا على سواحل البحار وشطوط الأنهار والبطائح والآجام ، والعصافير والفواخت وما شاكلها من الطير لا تفرخ إلّا بين الأشجار والدّحال « 1 » والقرى والبساتين .
وحدّث ابن الأعرابيّ عن هشام بن سالم - وكان مسنّا من رهط ذي الرّمة - قال :
أكلت حيّة بيض مكّاء فجعل المكّاء يشرشر « 2 » على رأسها ويدنو منها ، حتى إذا فتحت فاها تريده وهمّت به ألقى في فيها حسكة ، فأخذت بحلقها حتى ماتت .
وأنشد أبو عمرو الشّيبانيّ قول الأسديّ :
إن كنت أبصرتني قلّا ومصطلما * فربّما قتل المكّاء ثعبانا
فقال - حرس اللّه نفسه - : من أين للحيوان غير الإنسان هذه الفطنة وهذه الفضيلة وهذه الجرأة وهذه الحيلة ؟
فقلت : شيخنا أبو سليمان يقول في هذه الأيام - وقد جرى حديث الحيوان وعجائب أفاعيله - إن الإحساسات التي للحيوان على أصنافه لها غرض عظيم ، وبذلك الغرض لها تفاوت عظيم ظاهر وخاف ، وأفعال معهودة ونادرة ، ولها أخلاق معروفة ، ومعارف موصوفة ، ولولا ذلك ما كان يقال : أصول من جمل ، وأغدر من ذئب ، وأروغ من ثعلب ، وأجبن من صفرد ، وأجمع من ذرّة « 3 » ، وآلف من كلب ، وأهدى من
هامش
( 1 ) جمع دحل ، وهو نقب ضيق الفم متسع الأسفل حتى يمشي فيه .
( 2 ) المكاء : طائر ، ويشرشر أي يرفرف .
( 3 ) النمل الأحمر الصغير .