تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
قطاة ، [ وأحمق ] من عقعق ، وأزهى من غراب ، وأظلم من حيّة . وأشدّ عداوة من عقرب . وأخبث من قرد ، وأحمق من حبارى ، وأكذب من فاختة ، وألأم من كلب على جيفة ، وأعقّ من ضبّ ، وأبرّ من هرّة ، وأنفر من ظليم « 1 » ، وأجرأ من ليث ، وأحقد من فيل ، وعلى هذا . قال : وكما أنّ بين آحاد نوع الإنسان تفاوتا في الأخلاق ، كذلك بين آحاد نوع الحيوان تفاوت ، وكما أنه يزل بعض العقلاء فيركب ما لا يظن بمثله لعقله ، كذلك يزلّ ويغلط بعض الحمقى فيأتي بما لا يحسب أنّ مثله يهتدي إليه ، فليس العقل بحاظر على صاحبه أن يندر منه ما يكون من الحيوان ، وأصناف الحيوان من الناس وغير الناس تتقاسم هذه الأخلاق بضروب المزاج المختلفة في الأزمان المتباعدة ، والأماكن المتنازحة ، تقاسما محفوظ النّسب بالطبيعة المستولية ، وإن كان ذلك التقاسم مجهول النّسب للغموض الذي يغلب عليه ، وإذا عرف هذا الشرح وما أشبهه ممّا يزيده وضوحا ، زال التعجّب الناشئ من جهل العلة وخفاء الأمر . قال : ومن العجب أنا إذا قلنا : أروغ من ثعلب ، وأجبن من صفرد ، وأحقد من فيل ، أن هذا الرّوغ وهذا الجبن وهذا الحقد في هذه الأصناف ليست لتكون عدّة لها مع نوع الإنسان ، ولكن لتتعاطى أيضا بينها ، وتستعملها عند الحاجة إليها ، وكما يشبّه إنسان لأنّه لصّ بالفأرة ، أو بالفيل لأنّه حقود ، أو بالجمل لأنّه صئول ، كذلك يشبّه كلّ ضرب من الحيوان في فعله وخلقه وما يظهر من سنخه بأنه إنسان . ويقال للبليد من الناس : كأنّه حمار ، ويقال للذكيّ من الخيل : كأنه إنسان ، ولولا هذا التمازج في الأصل والجوهر ، والسّنخ والعنصر ، ما كان هذا التشابه في الفرع الظاهر ، والعادة الجارية بالخبر والنّظر . - فقال : هذا كلام لا مزيد عليه - . وقالت العلماء : إن هذا الاعتبار واصل في الحقيقة إلى جنس النّبات ، فإن النخل والموز لا ينبتان إلّا في البلدان الدّافئة والأرض اللّيّنة التّربة ، والجوز والفستق وأمثالهما لا ينبتان إلّا في البلدان الباردة والأرض الجبليّة . والدّلب وأمّ غيلان في الصّحارى والقفار ، والقصب والصّفصاف على شطوط الأنهار . قالوا : وهكذا أيضا وصف الجواهر المعدنيّة ، كالذهب ، فإنه لا يكون إلا في الأرض الرّمليّة والجبال والأحجار الرّخوة . والفضة ، والنحاس والحديد لا تكون إلا في الأرض النّدية والتراب اللّيّن والرّطوبات الدّهنية ، والأملاح لا تنعقد إلّا في الأراضي
هامش
( 1 ) ذكر النعام .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 234 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي