تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
والبقاع السّبخة ، والجص والاسفيداج لا يكونان إلّا في الأرض الرمليّة المختلطة ترابها بالحصى ، والزّاج لا يكون إلّا في التراب العفص ، وقد أحصى بعض من عني بهذا الشأن هذه الأنواع المعدنيّة فوجدها سبعمائة نوع . وقالوا : من الجواهر المعدنيّة ما هو صلب لا يذوب إلّا بالنار الشديدة ، ولا يكسر إلّا بالفأس كالياقوت والعقيق ، ومنها ترابيّ رخو لا يذوب ولكن ينفرك ، كالملح والزاج ، والطلق ، ومنها مائيّ رطب ينفر من النار كالزّئبق ، ومنها هوائيّ دهنيّ تأكله النار ، كالكبريت والزّرنيخ ، ومنها نباتيّ كالمرجان ، ومنها حيوانيّ كالدّرّ ، ومنها طلّ منعقد ، كالعنبر والبادزهر ، وذلك أنّ العنبر إنّما هو طلّ يقع على سطح ماء البحر ، ثم ينعقد في مواضع مخصوصة في زمان مقدّر ، وكذلك البادزهر ، فإنّه طلّ يقع على بعض الأحجار ، ثم يرشح في خللها ، ويغيب فيها ، وينعقد في بقاع مخصوصة ، في زمان معلوم ، وكالتّرنجبين الّذي هو طلّ يقع على ضرب من الشّوك ، وكذلك اللك فإنّه يقع على نبات مخصوص ينعقد عليه ، وكذلك الدّرّ فإنّه طلّ يرسخ في أصداف نوع من الحيوان البحريّ ، ثم يغلط ويجمد وينعقد فيه ، وكذلك الموميا ، وهي طلّ يرسخ في صخور هناك ويصير ماء ثم ينزّ من مسامّ ضيّقة ويجمد وينعقد . والطّلّ هو رطوبة هوائيّة تجمد من برد اللّيل ، وتقع على النّبات والشّجر والحجر والصّخر ، وعلى هذا القياس جميع الجواهر المعدنيّة ، فإن مادتها إنما هي رطوبات مائيّة ، وأنداء وبخارات تنعقد بطول الوقوع ومرّ الزّمان . وقالت الحكماء الأوّلون : هاهنا طبيعة تألف طبيعة أخرى ، وطبيعة تلزق بطبيعة أخرى ، وطبيعة تأنس بطبيعة ، وطبيعة تتشبّه بطبيعة ، وطبيعة تقهر طبيعة ، وطبيعة تخبث مع طبيعة ، وطبيعة تطيب مع طبيعة ، وطبيعة تفسد طبيعة ، وطبيعة تحمّر طبيعة ، وطبيعة تبيّض طبيعة ، وطبيعة تهرب من طبيعة ، وطبيعة تبغض طبيعة ، وطبيعة تمازج طبيعة . فأمّا الطبيعة الّتي تألف طبيعة فمثل الماس فإنّه إذا قرب من الذّهب لزق به وأمسكه ، ويقال : لا يوجد الماس إلّا في معدن الذّهب في بلد من ناحية المشرق . ومثل طبيعة المغناطيس في الحديد ، فإنّ هذين الحجرين يابسان صلبان ، وبين طبيعتيهما ألفة ، فإذا قرب الحديد من هذا الحجر حتى يشمّ رائحته ذهب إليه والتصق به وجذب الحديد إلى نفسه وأمسكه كما يفعل العاشق بالمعشوق . وكذلك يفعل الحجر الجاذب للخزّ والحجر الجاذب للشّعر ، والجاذب للتّبن ، وعلى هذا المثال ما من حجر من أحجار المعدن إلّا وبين طبيعته وبين طبيعة شيء آخر إلف واشتياق ، عرف ذلك أو لم يعرف ، ومثل هذا ما يكون بين الدواء والعضو العليل ، وذلك أنّ من خاصّة كلّ عضو عليل اشتياقه إلى طبيعة الدّواء الّتي هي ضد طبيعة العلّة التي به ، فإذا