تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
وقال فيلسوف آخر : العادات قاهرات ، فمن اعتاد شيئا في السّرّ فضحه في العلانية . قال أبو سليمان : وهذا صحيح ، لأن حقيقة العادة في الشيء المعهود عوده بعد عوده ، فهي - أعني العادة - الاستمرار الّذي يقهر من اعتاده ، والخلوة حال ، والعلانية حال ، والعادة بجريانها تهجم في الحالين ولا تفرق ، ولهذا ما قيل : العادة هي الطبيعة الثانية ، كأنّ الطبيعة عادة ، ولكنها الأولى بالجبلّة ، والعادة طبيعة ولكنّها الأخرى بحسن الاختيار أو بسوء الاختيار . وقال فيلسوف : ما أكثر من ظنّ أنّ الفقير هو الّذي لا يملك شيئا كثيرا وهذا فقير من جهة العرض ، فأمّا الفقير الطبيعيّ فالّذي شهواته كثيرة وإن كان كثير المال ، كما أن الغنيّ الطبيعيّ لا يحتاج إلى شيء وإن كان قليل المال ، أي الّذي ملك نفسه وقمع شهواته وأخمد لهب إرادته ، وقد ظنّ قوم أنّ الّذين منعوا من الشّهوات ، ووصوا بالزّهد في اللّذات ، خانوا الناس وحالوا بينهم وبين حظوظهم ، وحرموهم ما هو لهم ، وصدّوهم عن محبوباتهم ، وهذا ظنّ خطأ ، وأيّ مراد في هذا للواعظين والمزهّدين ، والذين وصّوا وأشفقوا ، وردعوا عن الخوض في لذّات النفوس الغضبيّة والبهيميّة ؟ واللّه ما كان ذلك منهم إلّا على طريق النصيحة والشفقة والإعذار والإنذار ، إلّا أن يكون الّذين ظنوا هذا إنما ظنّوه لأنهم رأوا بعض المزهّدين راغبا ، وبعض الناصحين غاشّا ، وبعض الآمرين مخالفا ، وليس العمل على المحتال ، وعلى من آثر الغشّ في المقال ، ولكنّ المرجع إلى ما يدلّ عليه الحقّ ، ويشهد له العقل ، ويصحّ فيه البرهان ، أترى الفيلسوف غشّ في قوله لأصحابه : اقنعوا بالقوت ، وانفوا عن أنفسكم الحاجة ، ليكون لكم قربة إلى اللّه ، لأنّ اللّه غير محتاج ، كلّما احتجتم أكثر كنتم منه أبعد ، واهربوا من الشرّ والإثم ، واطلبوا من الخير أعمّه وأعظمه ، وأبقاه وأدومه ، واعرفوا الأبد ، واطلبوا السّرمد ، فإنّ من طلب الأبد ثم وجد بقي على الأبد ، ومن طلب الأمد ثم وجد فنى على الأمد . الحاجة ذلّ ، والغنى عزّ ، والعزّ ضدّ الذلّ ، فمن طلب العزّ في العاجلة فقد طلب الذّلّ وهو لا يدري ، ومن طلب العزّ في الآجلة فقد وجد العزّ وهو يدري . في الحكمة أن يقال : اصبر على الذّلّ لتنال العزّ ، وليس في الحكمة أثبت على العزّ لتنال الذلّ ، هذا معكوس .