وقال : كما أن لكل عضو قوة تخصه بتدبيرها ، كذلك لجميع البدن قوّة أخرى ضامنة لتدبيره .
قال : وقال الحكيم في كتاب « السماء » : علّة الأنواع والأجناس ودوامها هي الفلك المستقيم ، وعلة كون الأشخاص وتجدّد حدوثها هي الفلك المائل ، فأما الكلّيات المنطقية فإن طبيعتها هي القوة القياسية المستتبّة لها عند تكوّن الحسّ على واحد منها .
قال أبو النضر نفيس : هذا حكم بالوهم ، ورأيي خرج من الظّنّ ، الفلك المستقيم والفلك المائل هما بنوع الوحدة ونسبة الاتّفاق ، فليس لأحدهما اختصاص بالأنواع والأجناس ، ولا بتجدّد الأشخاص ، والدليل على هذا أن قالبا لو قلب قالبه ذلك لم يكن له عنه انفصال . وللرّأي زلّات ، كما أنّ للّسان فلتات ، وللحكيم هفوات ، كما أنّ للجواد عثرات ، وما أكثر من يسكر فيقول في سكره ما لا يعرف ، وما أكثر من يغرق في النوم فيهذي بما لا يدري ، ومن الذي حقّق عنده أنّ الفلك المستقيم هذا نعته ، والفلك المائل تلك صفته ، هذا توهّم وتلفيق ، لا يرجع مدّعيه إلى تحقيق ، وقول أبي الحسن هذا عن الحكيم تقليد ، كما أنّ دعوى ذاك الحكيم توهّم ، ومحبّة الرّجال للرّجال فتنة حاملة على قبول الباطل ، وبغض الرّجال للرّجال فتنة حاملة على ردّ الحق ؟ وهذا أمر قد طال منه الضّجيج ، وفزع إلى اللّه منه بالتضرّع .
قال أبو الحسن : الموجود له حقيقة واحدة لا تدرك إلّا عقلا ، وليس له مبدأ ، ولو كان له مبدأ لشاركه المبدأ في طبيعة الوجود ، وليس بمتحرّك لأنه لا مقابل له فيتحرّك إليه .
وقال أبو النضر نفيس : عنى بهذا الموجود الحقّ الأوّل الّذي هو علّة العلل ، وهو البارئ الإله ، وما أنصف ، لأنّه يجب أن يقسم الموجود بأقسامه ، ويصف مرتبة كلّ موجود على ما هي عليه وعلى ما هو به حتى ينتهي من هذا الموجود الأعلى إلى آخر الموجود الأسفل ، أو يصف الموجود الأسفل حتى يرتقي إلى هذا الموجود الأعلى ، فإنّه ممّا يعقل ويحسّ إلّا وله من هذا الوجود نصيب به استحقّ أن يكون موجودا ، وإن كان ذلك النّصيب قليلا .
وقال : قد يوصف الشيء بأنه واحد بالمعنى وهو كثير بالأسماء ، ويوصف بأنّه واحد بالاسم وهو كثير بالمعنى ، ويوصف بأنه واحد بالجنس وهو كثير بالأنواع ، ويوصف بأنه واحد بالنّوع وهو كثير بالشّخوص ، ويوصف بأنه واحد بالاتّصال وهو كثير بالأجزاء ، وقد نقول في شيء : إنه واحد بالموضوع وهو كثير بالحدود ، كالتّفاحة الواحدة التي يوجد فيها اللّون والطّعم والرائحة ، وقد يكون واحدا في الحدّ وكثيرا في الموضوع ، كالبياض الذي يوجد في الثّلج والقطن والإسفيداج ، وقد يكون كثيرا بالحدّ
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 215
مساهمون: أبي حيان علي بن محمد التوحيدي
ص٢١٥