تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
الديارات ، وكثر الجدال ، وطال القيل والقال ، وفشا الكذب والمحال ، وأصبح طالب الحقّ حيران ، ومحبّ السلامة مقصودا بكلّ لسان وسنان ، وصار الناس أحزابا في النّحل والأديان « 1 » : فهذا نصيريّ ، وهذا إسحاقي ، وهذا جاروديّ ، وهذا قطعيّ ، وهذا جبّائيّ ، وهذا أشعريّ ، وهذا خارجيّ ، وهذا شعيبيّ ، وهذا قرمطيّ ، وهذا راونديّ ، وهذا نجّاريّ ، وهذا زعفرانيّ ، وهذا قدريّ ، وهذا جبريّ ، وهذا لفظيّ ، وهذا مستدركيّ ، وهذا حارثيّ ، وهذا رافضيّ ، ومن لا يحصي عددها إلّا اللّه الذي لا يعجزه شيء ، لا جرم شمت اليهود والنّصارى والمجوس بالمسلمين ، وعابوا وتكلّموا ، ووجدوا آجرّا وجصّا فبنوا ، وسمعوا فوق ما تمنّوا فرووا . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يزداد الأمر إلا صعوبة ، ولا الناس إلا اتّباع هوى ، حتى تقوم الساعة على شرار النّاس » . وقال أيضا : « بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود كما بدأ غريبا ، فطوبى للغرباء من أمّتي » « 2 » . وقلت لابن الجلّاء الزاهد بمكة سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة : ما صفة هذا الغريب ؟ فقال لي : يا بنيّ هو الذي يفرّ من مدينة إلى مدينة ، ومن قلّة إلى قلّة ، ومن بلد إلى بلد ومن برّ إلى بحر ، ومن بحر إلى برّ ، حتى يسلم ، وأنّى له بالسلامة مع هذه النيران التي قد طافت بالشرق والغرب ، وأتت على الحرث والنّسل ، فقدّمت كلّ أفوه ، وأسكتت كلّ ناطق ، وحيّرت كلّ لبيب ، وأشرقت كلّ شارب ، وأمرّت على كلّ طاعم ، وإنّ الفكر في هذا الأمر لمختلس للعقل وكارث « 3 » للنّفس ، ومحرق للكبد . فقال الوزير : واللّه إنّه لكذلك ، وقد نال منّي هذا الكلام ، وكبر عليّ هذا الخطب ، واللّه المستعان . ونظرت إليه وقد دمعت عينه ورقّ فؤاده وهو - كما تعلم - كثير التّألّه ، شديد التّوقّي ، يصوم الاثنين والخميس ، فإذا كان أوّل رجب أصبح صائما إلى أول يوم من
هامش
( 1 ) انظر حول هذه الفرق كتب الفرق مثل مقالات الإسلاميين للأشعري والملل والنحل للشهرستاني والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم . ( 2 ) روى مسلم في صحيحه 65 - باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا ، وإنه يأرز بين المسجدين . حديث رقم : ( 231 - 144 ) . وروى الترمذي ، في سننه : 13 - باب ما جاء أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا . حديث رقم : 2764 - عن عبد اللّه بن مسعود قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء » . ( 3 ) من كرثه الهم إذا اشتد عليه .