تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
عجبي من هذا لا ينقضي ، أين بنو أميّة وبنو مروان من هذا الحديث مع أحوالهم المشهورة في الدين والدنيا ؟ فقلت : أيّها الوزير ، إذا حقّق النّظر واستشفّ الأصل لم يكن هذا عجيبا ، فإنّ أعجاز الأمور تالية لصدورها ، والأسافل تالية لأعاليها ، ولا يزال الأمر خافيا حتى ينكشف سببه فيزول التعجّب منه ، وإنما بعد هذا على كثير من الناس ، لأنّهم لم يعنوا به وبتعرّف أوائله والبحث عن غوامضه ، ووضعه في مواضعه ، وذهبوا مذهب التعصّب . قال : فما الذي خفي حتى إذا عرف سقط التّعجّب ولزم التسليم ؟ فكان من الجواب : لا خلاف بين الرّواة وأصحاب التاريخ أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم توفّي وعتّاب بن أسيد على مكّة ، وخالد بن سعيد على صنعاء ، وأبو سفيان بن حرب على نجران ، وأبان بن سعيد بن العاص على البحرين ، وسعيد بن القشب الأزديّ حليف بني أميّة على جرش ونحوها ، والمهاجر بن أبي أميّة المخزوميّ على كندة والصّدف ، وعمرو بن العاص على عمان ، وعثمان بن أبي العاص على الطائف . فإذا كان النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم أسّس هذا الأساس ، وأظهر أمرهم لجميع الناس ، كيف لا يقوى ظنّهم ، ولا ينبسط رجاؤهم ، ولا يمتدّ في الولاية أملهم ؟ وفي مقابلة هذا ، كيف لا يضعف طمع بني هاشم ، ولا ينقبض رجاؤهم ، ولا يقصر أملهم ؟ وهي الدنيا ، والدّين عارض فيها ، والعاجلة محبوبة ، وهذا وما أشبهه حدّد أنيابهم ، وفتح أبوابهم ، وأترع كأسهم ، وفتل أمراسهم ، ودلائل الأمور تسبق ، وتباشير الخبر تعرف . قال ابن الكلبي : حدّثني الحكم بن هشام الثّقفيّ قال : مات عبيد اللّه بن جحش عن أمّ حبيبة بنت أبي سفيان ، وكانت معه بأرض الحبشة ، فخطبها النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى النّجاشيّ ، فدعا بالقرشيّين فقال : من أولاكم بأمر هذا المرأة ؟ فقال خالد بن سعيد بن العاص : أنا أولاهم بها . قال : فزوّج نبيّكم . قال : فزوّجه ومهر عنه أربعمائة دينار ، فكانت أوّل امرأة مهرت أربعمائة دينار ، ثمّ حملت إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ومعهما الحكم بن أبي العاص ، فجعل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يكثر النظر إليه ، فقيل له : يا رسول اللّه ، إنك لتكثر النّظر إلى هذا الشابّ . قال : أليس ابن المخزوميّة ؟ قالوا : بلى ، قال : إذا بلغ بنو هذا أربعين رجلا كان الأمر فيهم ، وكان مروان إذا جرى بينه وبين معاوية كلام قال لمعاوية : واللّه إني لأبو عشرة ، وأخو عشرة ، وعمّ عشرة ، وما بقي إلا عشرة حتى يكون الأمر فيّ ، فيقول معاوية بن أبي سفيان : أخذها واللّه من عين صافية . فهذا - كما تسمع - إن كان حقّا فلا سبيل إلى ردّه ، وإن كان مفتعلا فقد صار داعية إلى الأمر الّذي وقع نزاع فيه ، وجال الخصام عليه . وهاهنا شيء آخر .