تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١

الليلة الحادية والعشرون

وسأل مرّة عن المغنّي إذا راسله آخر « 1 » لم يجب أن يكون ألذّ وأطيب ، وأحلى وأعذب ؟ فكان من الجواب : أنّ أبا سليمان قال في جواب هذه المطالب ما يمنع من اقتضاب قول وتكلّف جواب ، ذكر أنّ المسموع الواحد إنما هو بالحسّ الواحد ، وربما كان الحسّ الواحد أيضا غليظا أو كدرا ، فلا يكون لنيله اللذّة به بسط ونشو ولذاذة ، وكذلك المسموع ربّما لم يكن في غاية الصّفاء على تمام الأداء بالتقطيع الذي هو نفس في الهواء ، فلا تكون أيضا إنالته للذّة على التّمام والوفاء ، فإذا ثنّي المسموع - أعني توحّد النّغم بالنّغم - قوي الحسّ المدرك ، فنال مسموعين بالصناعة ، ومسموعا واحدا بالطبيعة ، والحسّ لا يعشق المواحدة والمناسبة والاتّفاق إلّا بعد أن يجدها في المركّب ، كما أن العقل لا يعشق إلّا بعد أن ينالها في فضاء البسيط ، فكلّما قويّ الحسّ باستعماله ، التذّ صاحبه بقوّته حتى كأنه يسمع ما لم يسمع بحسّ أو أكثر ، وكما أن الحسّ إذا كان كليلا كان الذي يناله كليلا ، كذلك الحسّ إذا كان قويّا كان ما يناله قويّا . قال : هذا كلّه موهوب للحسّ ، فما للعقل في ذلك ؟ فإنّا نرى العاقل تعتريه دهشة وأريحيّة واهتزاز . قلت : قد أتى على مجموع هذا ومعرفته أبو سليمان في مذاكرته لابن الخمّار ، وذكر أنّ من شأن العقل السّكون ، ومن شأن الحسّ التهيّج ، ولهذا يوصف العاقل بالوقار والسكينة ، ومن دونه يوصف بالطّيش والعجرفة ، والإنسان ليس يجد العقل وجدانا فيلتذّ به ، وإنما يعرفه إمّا جملة وإمّا تفصيلا ، أعني جملة بالرسم وتفصيلا بالحدّ ، ومع ذلك يشتاق إلى العقل ، ويتمنّى أن يناله ضربا من النّيل ويجده نوعا من الوجدان ، فلما أبرزت الطبيعة الموسيقى في عرض الصّناعة بالآلات المهيّأة ، وتحرّكت بالمناسبات التّامّة والأشكال المتّفقة أيضا ، حدث الاعتدال الذي يشعر بالعقل وطلوعه وانكشافه وانجلائه ، فبهر الإحساس ، وبثّ الإيناس ، وشوّق إلى عالم الرّوح والنّعيم ، وإلى محلّ الشرف العميم ، وبعث على كسب الفضائل الحسّية
هامش
( 1 ) أي تابعه في غنائه مساندة له .