تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
قال القعقاع بن عمرو : قلت لعليّ بن أبي طالب - عليه السلام - ما حملكم على خلاف العباس بن عبد المطّلب وترك رأيه ؟ وهذا يعني به أنّ العباس كان قال لعليّ - عليه السلام - في مرض النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : قم بنا إليه لنسأله عن هذا الأمر ، فإن كان لنا أشاعه في النّاس ، وإن كان في غيرنا وصّى فينا ، وكان عليّ عليه السلام أبى على عمّه العباس ولم يطاوعه . قال القعقاع : قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - عليه السلام - في جوابه لي : لو فعلنا ذلك فجعلها في غيرنا بعد كلامنا لم ندخل فيها أبدا ، فأحببت أن أكفّ ، فإن جعلها فينا فهو الّذي نريد ، وإن جعلها في غيرنا كان رجاء من طلب ذلك منّا ممدودا ، ولم ينقطع منّا ولا من الناس . قال القعقاع : فكان النّاس في ذلك فرقتين : فرقة تحزّب للعباس وتدين له ، وفرقة تحزّب لعليّ وتدين له . وما أشبهه يضعف نفوسا ، ويرفع رءوسا . وبعد فهذا البيت خصّ بالأمر الأوّل ، أعني الدّعوة والنبوّة والكتاب العزيز ، فأما الدنيا فإنها تزول من قوم إلى قوم ، وقد رؤي أبو سفيان صخر بن حرب وقد وقف على قبر حمزة بن عبد المطلب وهو يقول : رحمك اللّه يا أبا عمارة ، لقد قاتلتنا على أمر صار إلينا . فإن قال قائل : فقد وصل هذا الأمر بعد مدّة إلى آل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فالجواب : صدقت ، ولكن لمّا ضعف الدّين وتحلحل ركنه وتداوله الناس بالغلبة والقهر ، فتطاول له ناس من آل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالعجم وبقوتهم ونهضتهم وعادتهم في مساورة الملوك ، وإزالة الدّول وتناول العزّ كيف كان ، وما وصل إلى أهل العدالة والطهارة والزّهد والعبادة والورع والأمانة ، ألا ترى أن الحال استحالت عجما : كسرويّة وقيصريّة ، فأين هذا من حديث النبوّة الناطقة ، والإمامة الصادقة ، هذا الربيع - وهو حاجب المنصور - يضرب من شمّت الخليفة عند العطسة ، فيشكى ذلك إلى أبي جعفر المنصور ، فيقول : أصاب الرجل السنّة وأخطأ الأدب . وهذا هو الجهل ، كأنّه لا يعلم أنّ السنّة أشرف من الأدب ، بل الأدب كلّه في السّنّة ، وهي الجامعة للأدب النبويّ والأمر الإلهي ، ولكن لما غلبت عليهم العزّة ، ودخلت النّعرة في آنافهم ، وظهرت الخنزوانة « 1 » بينهم سمّوا آيين « 2 » العجم أدبا ، وقدّموه على السّنّة التي هي ثمرة النبوّة ، هذا إلى غير ذلك من الأمور المعروفة ، والأحوال المتعالمة المتداولة التي لا وجه لذكرها ، ولا فائدة لنشرها ، لأنّها مقرّرة في التاريخ ، ودائرة في عرض الحديث . ولما كانت أوائل الأمور على ما شرحت ، وأواسطها على ما وصفت كان من نتائجها هذه الفتن والمذاهب ، والتعصّب والإفراط ، وما تفاقم منها وزاد ونما وعلا وتراقى ، وضاقت الحيل عن تداركه وإصلاحه ، وصارت العامّة مع جهلها ، تجد قوّة من خاصّتها مع علمها ، فسفكت الدّماء ، واستبيح الحريم ، وشنّت الغارات ، وخرّبت
هامش
( 1 ) الخنزوانة : الكبر . ( 2 ) عرفهم وعاداتهم .