تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩

الليلة الثالثة عشرة

فلما حضرت ليلة أخرى قال : هات . قلت : إن الكلام في النفس صعب ، والباحثون عن غيبها وشهادتها وأثرها وتأثّرها في أطراف متناوحة « 1 » وللنظر فيهم مجال ، وللوهم عليهم سلطان ، وكلّ قد قال ما عنده بقدر قوّته ولحظه ، وأنا آتي بما أحفظه وأرويه ، والرأي بعد ذلك إلى العقل الناصح والبرهان الواضح . قال بعض الفلاسفة : إذا تصفّحنا أمر النفس لحظناها تفعل بذاتها من غير حاجة إلى البدن ، لأن الإنسان إذا تصوّر بالعقل شيئا فإنّه لا يتصوّره بآلة كما يتصور الألوان بالعين والروائح بالأنف ، فإن الجزء الذي فيه النّفس من البدن لا يسخن ولا يبرد ولا يستحيل من جهة إلى أخرى عند تصوّره بالعقل ، فيظنّ الظانّ منّا أنّ النفس لا تفعل بالبدن ، لأنّ هذه الأمور ليست بجسم ولا أعراض جسميّة . وقد تعرف النفس أيضا الآن من الزمان والوحدة واليقظة ، وليس لأحد أن يقول : إن النفس تعرف هذه الأشياء بحسّ من الإحساس ، ففعل النفس إذن يفارق البدن ، وتأليف البرهان أن يكون على أن يقال : للنفس أفعال تخصّها خلو من البدن ، مثل التصور بالعقل ، وكلّ ما له فعل يخصّه دون البدن فإنه لا يفسد بفساد البدن عند المفارقة . وقال أيضا : وجدنا الناس متّفقين على أن النفس لا تموت ، وذلك أنّهم يتصدّقون عن موتاهم ، فلولا أنّهم يتصورون أن النفس لا تموت ، ولكنّها تنتقل من حال إلى أخرى إما إلى خير وإما إلى شر ، ما كانوا يستغفرون لهم ، وما كانوا يتصدقون على موتاهم ويزورون قبورهم . وقال أيضا : النفس لا تموت ، لأنها أشبه بالأمر الإلهي من البدن ، إذ كان يدبّر البدن ويرأسه . واللّه جلّ وعزّ المدبّر لجميع الأشياء ، والرئيس لها . والبدن أشبه شيء بالشيء الميّت من النفس إذ كان البدن إنما يحيا بالنفس . وقال أيضا : النفس قابلة للأضداد ، فهي جوهر ، فالفائدة أن النفس جوهر .
هامش
( 1 ) أي متقابلة .