تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
وقال : إن كانت النفس بها قوى وحياة الجسد ، فيمتنع أن يكون قوامها بالجسد ، بل بذاتها التي قامت بها حياة الجسد . وقال : إن كانت النفس قائمة بذاتها التي قامت بها حياة الجسد ، فما كان قائما بذاته فهو جوهر ، فالنفس إذا جوهر . وقد أملى علينا أبو سليمان كلاما في حديث النفس هذا موضعه ، ولا عذر في الإمساك عن ذكره ليكون مضموما إلى غيره ، وإن كان كلّ هذا لم يجر على وجهه بحضرة الوزير - أبقاه اللّه ومد في عمره - لكن الخوض في الشيء بالقلم مخالف للإضافة باللسان ، لأن القلم أطول عنانا من اللسان ، وإفضاء اللّسان أحرج من إفضاء القلم ، والغرض كلّه الإفادة ، فليس يكثر الطويل . قال : ينبغي أن نعرف باليقظة التامّة أن فينا شيئا ليس بجسم له مدّات ثلاث : أعني الطول والعرض والسّمك ، ولا يجزّأ من جسم ولا عرض من الأعراض ، ولا حاجة به إلى قوّة جسميّة ، لكنّه جوهر مبسوط غير مدرك بحسّ من الإحساس . ولمّا وجدنا فينا شيئا غير الجسم وضدّ أجزائه بحدته وخاصّته ، ورأينا له أحوالا تباين أحوال الجسم حتّى لا تشارك في شيء منها وكذلك وجدنا مباينته للأعراض ، ثم رأينا منه هذه المباينة للأجسام والأعراض إنّما هي من حيث كانت الأجسام أجساما والأعراض أعراضا ، قضينا أنّ هاهنا شيئا ليس بجسم ولا جزء من الجسم ، ولا هو عرض ، ولذلك لا يقبل التغيّر ولا الحيلولة ، ووجدنا هذا الشيء أيضا يطّلع على جميع الأشياء بالسواء ولا يناله فتور ولا ملال ، ويتضح هذا بشيء أقوله : كلّ جسم له صورة فإنّه لا يقبل صورة أخرى من جنس صورته الأولى البتة إلّا بعد مفارقته الصورة الأولى ، مثل ذلك أنّ الجسم إذا قبل صورة أو شكلا كالتثليث ، فليس يقبل شكلا آخر من التربيع والتدوير إلّا بعد مفارقة الشكل الأول . وكذلك إذا قبل نقشا أو مثالا فهذا حاله ، وإن بقي فيه من رسم الصّورة الأولى شيء لا يقبل الصورة الأخرى على النظم الصحيح ، بل تنقش فيه الصورتان ، ولا تتمّ واحدة منهما ، وهذا يطّرد في الشّمع وفي الفضة وغيرها إذا قبل صورة نقش في الخاتم ، ونحن نجد النفس تقبل الصور كلّها على التمام والنظام من غير نقص ولا عجز ، وهذه الخاصّة ضدّ لخاصّة الجسم ، ولهذا يزداد الإنسان بصيرة كلّما نظر وبحث وارتأى وكشف . ويتضح أيضا عن كثب أن النفس ليست بعرض ، لأنّ العرض لا يوجد إلّا في غيره ، فهو محمول لا حامل وليس هو قواما ، وهذا الجوهر الموصوف بهذه الصفات هو الحامل لما لها أن تحمل ، وليس له شبه من الجسم ولا من العرض . وكان يقول : إذا صدق النظر ، وكان الناظر عاريا من الهوى ، وصحّ طلبه للحق