لصحّة توحيده له بما يشهد من أعاجيبها ، ونيل لرضوانه بما يتزوّد من عبره الّتي يجد فيها ، وليكون له موقظ منها وداع حاد إلى طاعة من أبداها وأبرزها ، وخلطها وأفردها .
فقال : قد كنت قلت : إنّه يجري كلام في النّفس منذ ليال ، فهل لك في ذلك ؟
قلت : أشدّ الميل وأوحاه ، لكن بشرط أن أحكي ما عندي ، وأروي ما حصّلت من هذه العصابة بسماعي وسؤالي . فقال : نستأنف الخوض في ذلك - إن شاء اللّه - فإن النّعسة قد جذبت العين ، فأنا كما قال :
قد جعل النّعاس يغرنديني « 1 » * أدفعه عنّي ويسرنديني « 2 »
أنشدني أبياتا ودّعني بها ، ولتكن من سراة نجد ، ليشتمّ منها ريح الشّيح والقيصوم .
فأنشدته لأعرابيّ قديم :
مطرنا فلمّا أن روينا تهادرت * شقاشق منها رائب وحليب
ورامت رجال من رجال ظلامة * وعادت ذحول بيننا وذنوب
ونصّت ركاب للصّبا فتروّحت * لهنّ كما هاج الحبيب حبيب
وطئن فناء الحيّ حتّى كأنّه * رجا منهل من كرّهنّ نخيب
بني عمّنا لا تعجلوا ينضب الثّرى * غليلا ويشفي المسرفين طبيب
فلو قد تولّى النبت وامتيرت القرى * وحثّت ركاب الحيّ حين تئوب
وصار عيوف الخود وهي كريمة * على أهلها - ذو جدّتين قشيب
وصار الذي في أنفه خنزوانة * ينادي إلى داعي الرّدى فيجيب
أولئك أيّام تبيّن ما الفتى * أكاب سكيت أم أشمّ نجيب
فعجب وقال : هذا جنى غرس قد جذّ أصله ، ونزيح قليب قد غار مدّه وجزره ، وانصرفت .
هامش
( 1 ) يريد أن النعاس يغلبه ويعلوه .
( 2 ) يريد أن النعاس يغلبه ويعلوه .