تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
بالعشق الغالب ، فإنه لا يخفى عليه الفرق بين النفس المحرّكة للبدن ، وبين البدن المتحرّك بالنفس . قال : ولمّا عرضت الشبهة لقوم قصر نظرهم ، ولم يكن لهم لحظ ولا اطّلاع فظنّوا أنّ الرباط الّذي بين النفس والبدن إذا انحلّ فقد بطلا جميعا . وهذا ظنّ فيه عسف ، لأنّهما لم يكونا في حال الارتباط على شكل واحد وصورة واحدة ، أعني أنّهما تباينا في تصاحبهما وتصاحبا في تباينهما . ألا ترى أنّ البدن كان قوامه ونظامه وتمامه بالنفس ؟ هذا ظاهر . وليس هذا حكم النّفس في شأنها مع البدن ، لأنّها واصلته في الأوّل عند مسقط النطفة ، فما زالت تربّيه وتغذّيه وتحييه وتسوّيه حتّى بلغ البدن إلى ما ترى ، ووجد الإنسان بها ، لأنّ النفس وحدها ليست بإنسان ، والبدن وحده ليس بإنسان ، بل الإنسان بهما إنسان ، فإذا الإنسان نصيبه من النفس أكثر من نصيبه من البدن . وهذه الكثرة توجد في الأوّل من ناحية شرف النفس في جوهرها ، وتوجد في الثاني من جهة صاحب النفس الذي هو الإنسان بما يستفيده من المعارف الصحيحة ، يضمّه إلى الأفعال الواجبة الصالحة ، فأمر المعارف الصحيحة معرفة اللّه الواحد الحقّ باليقين الخالص ، وأمر الأفعال الواجبة الصالحة العبادة له والرضوان عنه . وغاية المعرفة الاتّصال بالمعروف ، وغاية الأفعال الواجبة الفوز بالنعيم والخلود في جوار اللّه ، وهذا هو الصّراط المستقيم الذي دعا إلى الجواز عليه كلّ من رجع إلى بصيرة وآوى إلى حسن سيرة . فأمّا من هو عن هذا كلّه عم ، وعمّا يجب عليه ساه ، فهو في قطيع النّعم ، وإن كان متقلّبا في أصناف النّعم . وكان يقول كثيرا : الناس أصناف في عقولهم : فصنف عقولهم مغمورة بشهواتهم ، فهم لا يبصرون بها إلّا حظوظهم المعجّلة ، فلذلك يكدّون في طلبها ونيلها ، ويستعينون بكلّ وسع وطاقة على الظّفر . وصنف عقولهم منتبهة ، لكنّها مخلوطة بسبات الجهل ، فهم يحرّضون على الخير واكتسابه ، ويخطئون كثيرا ، وذلك أنّهم لم يكملوا في جبلّتهم الأولى وهذا نعت موجود في العبّاد الجهلة والعلماء الفجرة ، كما أنّ النّعت الأوّل موجود في طالبي الدّنيا بكل حيلة ومحالة . وصنف عقولهم ذكيّة ملتهبة ، لكنّها عمية عن الآجلة ، فهي تدأب في نيل الحظوظ بالعلم والمعرفة والوصايا اللّطيفة والسّمعة الرّبانيّة ، وهذا نعت موجود في العلماء الّذين لم تثلج صدورهم بالعلم ، ولا حقّ عندهم الحقّ اليقين ، وقصّروا عن