الروايات ليس فيها أدنى دلالة على كون القرآن مكتوبا في اللوح المحفوظ منظما في السماء الدنيا على الترتيب الموجود في المصحف الذي عندنا وهو ظاهر .
وأما قولهم : إنه قد حصل اليقين بالنقل المتواتر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بهذا الترتيب الموجود في المصاحف فقد عرفت أنه دعوى خالية عن الدليل وأن هذا التواتر لا خبر عنه بالنسبة إلى كلّ آية آية كيف وقد تكاثرت الروايات أن ابن مسعود لم يكتب في مصحفه المعوذتين وكان يقول : إنهما ليستا من القرآن وإنما نزل بهما جبريل تعويذا للحسنين ، وكان يحكهما عن المصاحف ، ولم ينقل عنه أنه رجع عن قوله فكيف خفي عليه هذا التواتر طول حياته بعد الجمع الأول .
نظرة عابرة في روايات الإنساء
يتعلق بالبحث السابق البحث في روايات الإنساء - وقد مرّت إشارة إجمالية إليها - وهي عدة روايات وردت من طرق أهل السنّة في نسخ القرآن وإنسائه حملوا عليها ما ورد من روايات التحريف سقوطا وتغييرا .
فمنها ما في الدر المنثور عن ابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن عديّ وابن عساكر عن ابن عباس قال : كان مما ينزل على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الوحي بالليل وينسئه بالنهار فأنزل اللّه :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها
« 1 » .
وفيه عن أبي داود في ناسخه والبيهقي في الدلائل عن أبي أمامة أن رهطا من الأنصار من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أخبروه أن رجلا قام من جوف الليل يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها فلم يقدر منها على شيء إلّا بسم اللّه الرحمن الرحيم ووقع ذلك لناس من أصحابه فأصبحوا فسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن السورة فسكت ساعة لم يرجع إليهم شيئا ثم قال : نسخت البارحة فنسخت من صدورهم ومن كل شيء كانت فيه .
أقول : والقصة مروية بعدة طرق في ألفاظ متقاربة مضمونا .
هامش
( 1 ) البقرة - 106 .