القرآن على ترتيب النزول عقب موت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أخرجه ابن أبي داود وهو من مسلمات مداليل روايات الشيعة .
هذا ما يدل عليه ظاهر روايات الباب المتقدمة لكن الجمهور أصروا على أن ترتيب الآيات توقيفي فآيات المصحف الدائر اليوم وهو المصحف العثماني مرتبة على ما رتبها عليه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بإشارة من جبريل ، وأوّلوا ظاهر الروايات بأن جمع الصحابة لم يكن جمع ترتيب وإنما كان جمعا لما كانوا يعلمونه ويحفظونه عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من السور وآياتها المرتبة ، بين دفتين وفي مكان واحد .
وأنت خبير بأن كيفية الجمع الأول التي تدلّ عليها الروايات تدفع هذه الدعوى دفعا صريحا .
وربما استدل عليه بما ادّعاه بعضهم من الإجماع على ذلك فقد نقل السيوطي في الإتقان عن الزركشي دعوى الإجماع عليه وعن أبي جعفر بن الزبير نفي الخلاف فيه بين المسلمين ، وهو إجماع منقول لا يعتمد عليه بعد وجود الخلاف في أصل التحريف ودلالة ما تقدم من الروايات على خلافه .
وربما استدل عليه بالتواتر ويوجد ذلك في كلام كثير منهم ادعوا تواتر الترتيب الموجود عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وهو عجيب وقد نقل في الإتقان بعد نقله ما رواه البخاري وغيره بعدة طرق عن أنس أنه قال : مات النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولم يجمع القرآن غير أربعة : أبو الدرداء ، ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد ، وفي رواية أبي بن كعب بدل أبي الدرداء .
عن المازري أنه قال : وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة ولا متمسّك لهم فيه فإنا لا نسلم حمله على ظاهره سلمنا ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك سلمناه لكن لا يلزم من كون كل من الجم الغفير لم يحفظه كله أن لا يكون حفظ مجموعه الجم الغفير وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه بل إذا حفظ الكلّ الكل ولو على التوزيع كفى ، انتهى .
أما دعواه أن ظاهر كلام أنس غير مراد فهو مما لا يصغى إليه في الأبحاث اللفظية المبنية على ظاهر اللفظ إلّا بقرينة من نفس كلام المتكلم أو
الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم — صفحة 165
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٦٥